الكون والفلك – Islam & Science https://islam-science.net والنهج التربوي Mon, 03 Oct 2016 08:14:15 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=5.5.20 علم الفلك في العالم العـربي ‏- من الانطلاقة في العصــر ‏العبّاسي إلى النّهضة في القـرن الحادي والعشرين https://islam-science.net/ar/%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d9%83-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-2-3653/ Mon, 09 Nov 2015 16:05:12 +0000 http://islam-science.net/?p=3653 بعث علم الفلك في العالم العربي زمن فجر الخلافة

إن علم الفَلَك حظي باهتمام كبير ومتواصل في الثقافة العربية؛ جاء ذلك بدواع علميّة ذات طابع دينيّ، لأن تحديد القبلة أمر ضروري لإقامة الصّلوات في مواعيدها بدقّة ممّا أدّى إلى الاهتمام بصناعة المزاول لقياس الوقت، وإلى ظهور ما يسمّى باسم علم الميقات الّذي يهدف إلى حساب مواقيت الصلاة، ومحاولة تحديد بداية رمضان وتواريخ الأعياد. وقد عرف العرب جهود علماء الحضارات القديمة في الفلك، وحاولوا تدقيقها وإعادة النّظر فيها وتجاوزها إلى مزيد من المعرفة الدّقيقة. وقد دفع هذا الاهتمام إلى نقلِ كتب الأمم الأخرى إلى اللّغة العربيّة. فكانت التّرجمةُ عن اللّغة اليونانيّة أو السَّنْسِكريتية أو السُّريانية أو الكَلدانيّة من أُولى الإنجازات الرّئيسيّة التي قام بها المسلمون في العلوم الكونيّة بعامّة، وعلم الفَلَك بخاصّة.  وكان لمؤلَّفات إقليدس وأرخميدس وبطليموس الأثرُ الكبير على تفكير العاملين بحقل الرّياضيات، والفَلَك، والجغرافيا، لسنين عديدة. كما شجّع الخلفاء العبّاسيّين الحركة العلميّة وأنفقوا عليها الأموال وكان علم الفلك قد حضي بعناية فائقة حتى أصبح وسيلة الوصول إلى الخلفاء هو معرفة علم الفلك ونجومه [1].

وقد سعى الخليفة أبو جعفر المنصور إلى بعث علم الفلك مستعينًا في ذلك بطائفة من علماء الهند؛ ففي سنة (154هـ/ 770م) حضر إلى بغداد عالم هنديّ ذو رواية واسعة بعلم الفلك مصطحبا معه كتابا في الفلك باللغة السّنسكريتيّة يسمى ” السدهنتا ” او ” السد هانت ” ألّفه أحد علماء الفلك الهنود وقد عرف الكتاب بعد ترجمته إلى العربيّة بكتاب ” السند الهند ” ويشتمل على مقدمّة وجيزة مرفق بها عدد من الجداول الفلكيّة في تحركات الأجرام السّماوية وطلوع ومغيب البروج وقد حسبت هذه الحركات على أسس دورات زمنيّة تضمّ آلاف السّنين.

تأكّد اهتمام المسلمين بالتّجارب العلميّة الفلكيّة من خلال كثرة بناء المراصد الضّخمة والمزوَّدة بالآلات المتنوِّعة والعلماء المتفرِّغين، والتي كانت منتشرة في العالم الإسلاميّ؛ فبخلاف المراصد التي أنشأها المأمون على جبل قَاسيون في دمشق، وفي الشماسيَّة في بغداد، فقد توالى بعد ذلك إنشاء المراصد في أنحاء متفرقة من العالم الإسلامي؛ فأقام أبناء موسى بن شاكر مرصدًا في بغداد، وفيه استخرجوا حساب العرض الأكبر، وكان مرصد مراغة ببلاد فارس الذي بناه نصير الدّين الطّوسي من أشهر المراصد وأكبرها، واشتهر بآلاته الدّقيقة وتفوُّق المشتغلين فيه، وقد امتازت هذه المراصد بالدقَّة، واعتمد عليها علماء أوربا في عصر النّهضة وما بعده في بحوثهم الفلكيَّة. وإلى جانب تلك كانت توجد مراصد أخرى، مثل: مرصد ابن الشّاطر بالشّام، ومرصد الدِّينَوَرِيِّ بأصبهان، ومرصد ألغ بكبسمرقند، وغيرها كثير]2[ .

وقد استعان العلماء المسلمون في هذه المراصد بآلات وأجهزة ومعدات غاية في الدقَّة وجمال الصنعة يعرفون بها الظّواهر الفلكيَّة، وكثير من هذه الآلات كان من اختراع علماء المسلمين ولم تُعرف من قبلهم، وذلك مثل: ذات الأوتار، وذات الحلق، وآلة الربع المجيب، والربع المقنطر، وذات الشّعبتين، وذات السّمت والارتفاع والحلقة الاعتداليَّة، وأنواع مختلفة من المزاول والمشخّصات لقياس الوقت. كما استعان المسلمون أيضًا بآلات من اختراع الحضارات السابقة، وذلك مثل الأَسْطُرْلاَب، الذي احتفظ باسمه اليوناني، وقد طوَّره المسلمون وصنعوا منه نماذج عديدة، فاخترعوا الأسطرلاب الكرويّ، وأيضًا الزورقيّ، وما زالت كثير من متاحف العلماء تحتفظ بنماذج من هذه الأسطرلابات، وهي تستخدم في قياس ارتفاعات الكواكب عن الأفق، وتعيين الزمن

ومن الأعمال المجيدة والإنجازات الرّائعة التي عملها المسلمون، وتتعلَّق بعلم الفَلك، وجديرةٌ بالذِّكر -تطويرُهم للمزاول الشمسيّة؛ إذ استخرجوا علاقةً أَمْكَنهم بها حسابُ مواقعِ أرقام جميع ساعات النهار على لوحة المزولة، ومعرفة أنصاف السّاعات وأرباعها، وحتى الدّقائق، وذلك بعد أن جرَّبوا معادلاتٍ رياضيّة بحساب المثلَّثات الكرويّة… وقد صنَّف البعضُ في المزاول، نذكر منهم: أبا الحسن علي المرَّاكشي، فقد صنَّف كتابًا فيها، ذكر فيه أصناف المزاول ومنافعها، وقد دخلت هذه المزاول إلى أوروبَّا عن طريق الأندلس.

ومن إنجازات المسلمين الفَلكية كذلك: الرَّسم على سطح الكرة، واكتشافهم كلف الشمس الّذي هو عبارة عن مساحات داكنة نوعا ما على سطح الشّمس تكون حرارتها أبرد من الأجزاء السّطحيّة الأخرى [1].

نهضة علم الفلك في العالم العربي في العصر الحالي

أمام ما يحققه العالم المعاصر من إنجازاتٍ وكشوفٍ متلاحقة ومتسارعة في جميع المجالات وبالأخصّ تلك المتعلَقة بالعلوم الفلكيَّة وأمام تباين مستوى العلوم بالعالم العربي مع عصره الذّهبي، الذي استمرّ من أوائل القرن التّاسع إلى نهاية القرن السّادس عشر ونظرا إلى الحاجة الماسَّة لمواكبة هذه التَّطوَرات في مجال التَّكنولوجيّات والحثّ على النّهضة في مجال العلوم الفضائيّة والفلكيّة على وجه الخصوص لتجاوز الهوّة الواضحة والجليّة في هذا المجال وفي رصد ومتابعة مسارات الأجرام السّماويّة والنّيازك التي تمرّ قريبا من كوكبنا وفوق منطقتنا التي تعتبر ثقبا أسودا.

وأمام المشكلة التي تقف حائلاً دون تطوّر علم الفلك لدى العرب اليوم، وهي نقص الخبرة في إدارة المشروعات العلميّة الكبرى، وهي عنصر ضروري لعمل المراصد والمراكز البحثيّة بفاعليّة. وإذا نظرنا للعدد القليل من التلسكوبات الكبيرة والتي أقيمت في المنطقة خلال الخمسين سنة الماضية لوجدناها ضعيفة الاستخدام، بل وأحياناً غير مستعملة بالمرّة، ونتائجها العلميّة شحيحة. كما أنّه اليوم، لا يوجد في العالم العربي بأكمله مرصد فلكي يحوي تليسكوبًا بقُطْر يزيد على متر واحد، سوى مرصد القطامية بمصر، الذي لا ينتِج سوى القليل جدًّا من الأبحاث القابلة للنشر. [3]

ومن هذا المنطلق وأمام الحاجة الملحّة إلى المرور فورا إلى بدأ العمل على تسريع هذه المساعي نحو تجاوز هذه الهوّة ومواكبة التّطوّرات في مجال علم الفلك والّذي بدوره يحفّز نحو اكتساب التّقنيات والتّكنولوجيّات الأخرى، وبعد المبادرة الأولى لعالم الفضاء الأستاذ الدّكتور نضال قسّوم، الّذي قضّى سنوات كباحث في وكالة ناسا ويدرّس حاليّا في مجال فيزياء علوم الفلك  بالجامعة الأمريكيّة بالشّارقة، والّتي تعتبر رائدة وفريدة من نوعها لتحديد أكثر المواقع في الشرق الأوسط ملاءمة لإنشاء مراصد لدراسة النجوم[4] وكان ذلك رفقة ثلّة من طلبته، فقد تمّ تكوين فريق عمل ثان من خبراء وباحثين في مجال علم الفلك وعلوم المناخ والبيئة لإنجاز مشروع تحديد مواقع بناء وتركيز مراصد فلكيّة بالاعتماد على تقنيات ومعطيات دقيقة لكلّ بلد عربي ويليها في مرحلة ثانية تمكين أصحاب القرار من دراسة متكاملة ودقيقة لبناء هذه المراصد.

أهداف المشروع:

تمّ تحديد أهداف هذا المشروع من طرف فريق العمل الذي يترأّسه الأستاذ الدّكتور نضال قسّوم، وقد تمّ الاتفاق على النّقاط التّالية:

– تحديد ثلاث مناطق مرتّبة تفاضليّا لكلّ بلد من بلدان الشَرق الأوسط وشمال افريقيا

– ترتيب تفاضلي عامّ لكلّ المناطق المختارة

– تقديم ملفّ لكلّ منطقة مختارة يتضمّن الخصائص المناخيّة والتّصوّرات اللاّزمة للمعدّات والاحتياطات الأوّليّة الخاصّة بصيانتها.

– حثّ أولي الأمر على تبنيّ هذا المشروع القيّم من خلال تقديم هذه الدّراسة العلميّة

– تسهيل تركيز المراصد لكلّ بلدان المنطقة من خلال انجاز هذه المرحلة الأولى الهامّة

      الوسائل الهيكليّة للنّهضة

يرى الأستاذ الدّكتور نضال قسوم أن المنطقة العربية بإمكانها أن تستعيد مكانتها في مجال الفَلَك، خاصّةً على المستوى البحثي، إذا وجدت الإرادة والطموح لذلك[3]. ومن أهمّ الوسائل الّتي تمكّن من تسريع هذه الصّحوة، والتي تعتبر الدّعامات الأساسيّة لذلك، نعرض هذا التّصوّر:

– بعث وكالة فضاء عربيّة

– انجاز مرصد فلكي يضمّ عدّة تلسكوبات ويكون منارة عصره من حيث إمكانيّاته وخصائصه

– تنسيق بين بلدان المنطقة لبناء مَراصِد في مناطق متباعدة من حيث التّوزيع ومتكاملة من حيث الأداء

– تجاوز مرحلة الدّراسات والنّظريّات إلى التّطبيقات الفعليّة

 خاتمة

إنّ هذه المبادرة للحثّ على انشاء مراصد فلكيّة بالعالم العربيّ لهي جدّ هامّة ومجدية وخاصّة لو تمّ انجاز مرصد فلكي ضخم يكون منارة بالجهة ويمكّن من استعادة الثّقة للمنافسة ومسايرة العلوم الدّوليّة من خلال الإصدارات والبحوث وممّا يسهم أيضا في اكتساب مهارات وتقنيات وصناعات الكترونيّة في مجالات الإعلاميّة وتطوير وتوسيع دراسات علوم الفضاء في الجامعات العربيّة على غرار نظيراتها الغربيّة وكذلك في إعادة المكانة المرموقة لعلم الفلك في الثّقافة العربيّة.

 رضا القابسي              @RidhaGuebsi

Références

  1.   إنجازات المسلمين في علم الفلك      د. عبدالله  حجازي              03 Novembre 2012        http://www.alukah.net/library/0/45930/
  2.  إسهامات علماء المسلمين في الفلك         د. راغب السرجاني           01 Mai 2006
  3. Guessoum, N. Astrophysics: Time for an Arab astronomy renaissance. Nature 498, 161–164 (2013) http://islam-science.net/حـان-الوقـت-لنـهضـة-فلكـيـة-عربيــة-1180
  4. N.Guessoum and al. Preliminary search for astronomical observatory sites in the MENA region. The Observatory 134: 339-347                          December 2014
]]>
قمر جديد في الأفق : دليل فلكي لحل مشكلة تحديد بداية شهر رمضان https://islam-science.net/ar/%d9%82%d9%85%d8%b1-%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%81%d9%82-%d8%af%d9%84%d9%8a%d9%84-%d9%81%d9%84%d9%83%d9%8a-%d9%84%d8%ad%d9%84-%d9%85%d8%b4%d9%83%d9%84%d8%a9-%d8%aa-2299/ Tue, 28 Jan 2014 00:00:48 +0000 http://islam-science.net/?p=2299 رغم كل التقدم الذي تم إحرازه في علم الفلك، يتساءل الدكتور نضال قسوم ألا يوجد حل بسيط وعملي للقصة الطويلة التي تتكرر سنويا حول “متى نبدأ شهر رمضان”.

نضال قسوم

بما أن الأشهر الإسلامية تتبع التقويم القمري، فإن بداية كل شهر تحدد من خلال رؤية الهلال. وكل عام، ومع اقتراب شهر رمضان المعظم، يتزايد الجدل المتواصل حول بداية الشهر، وغالبا ما يؤدي ذلك إلى عواقب محرجة. لم تنجح المناقشات والحوارات التي لا تعد ولا تحصى حتى الآن في الاتفاق على طريقة لحل هذه المسألة مرة وإلى الأبد.

لماذا يجد العالم الإسلامي صعوبة في تحديد بداية شهر رمضان، وكذلك بداية أيام الأعياد الدينية ومواعيد الحج؟ لماذا لا يستطيع علم الفلك حل هذه المشكلة والتي تبدو بسيطة؟ وإذا كان بإمكان العلم نقل البشر والإنسان الآلي إلى القمر واستكشاف كل بقعة على سطحه، والبحث عن الجليد في فوهات القمر، وإرسال مركبات ومسابير الفضاء إلى أطراف المنظومة الشمسية، هل يعجز عن تحديد وضع ومدى وضوح الهلال الرقيق، الذي يشير إلى بداية الأشهر الإسلامية؟

كما سأوضح لاحقا فإن العلم ليس مسؤولا عن الارتباك واسع النطاق الذي يشهده العالم الإسلامي كل عام قبل بداية ونهاية شهر رمضان. لكن، وقبل استعراض الأسباب الكامنة وراء هذا الوضع واقتراح الحلول لهذه المشكلة على الصعيد العالمي، فإنه من المهم أن نفهم جوانبه العلمية ونرى إلى أي مدى تم تحقيق تقدم في هذا المجال على مدى العقود القليلة الماضية.

أولا، يجب أن يكون هناك نوع من التمييز البسيط، فتحديد وضع القمر حول الأرض في أي لحظة ومن أي مكان محدد يختلف عن التنبؤ برؤية أو عدم رؤية الإنسان للهلال الرقيق الجديد الذي يظهر لفترة وجيزة بعد أن يبدأ القمر دورة جديدة حول الأرض .

كان دائما سهلا نسبيا بالنسبة للعلماء وجدت حلاً لظهور القمر الأول منذ أقدم العصور، من بينهم البابليون والإغريق والمسلمون. أما اليوم فقد حققت الميكانيكا السماوية دقة هائلة، وبإمكان أجهزة الحاسوب السريعة حل معادلات معقدة، مع الأخذ بعين الاعتبار كافة العوامل والآثار مثل سحب جاذبية الأرض والشمس والكواكب القريبة. من المثير للدهشة أن تحديد ما إذا كان القمر مرئياً، وهو ما يبدو وكأنها مهمة بسيطة إلى حد ما، هو أمر أكثر تعقيداً. ومع ذلك، فإنه هذه المشكلة لا تستعصي على الحل.

نماذج مختلفة

لقد أدرك علماء الفلك دائما أن عملية رصد الهلال تتأثر بالعوامل الجوية، مثل الاضطراب في الهواء والرطوبة والغبار والتلوث. هذا الأمر صحيح خصوصاً عندما يكون الهلال منخفضاً في السماء بالقرب من الأفق، كما يكون وضعه دائماً في بداية الشهر القمري. علاوة على ذلك ، فإن هذه الآثار تختلف من مكان إلى آخر ومن ليلة واحدة إلى أخرى.

Arc of light (aL), arc of vision (aV), and difference in azimuth (Az) Schaefer, 1988

Arc of light (aL), arc of vision (aV), and difference in azimuth (Az)
Schaefer, 1988

وهذا هو السبب في أن الفلكيين من العصور البابلية إلى أواخر عام 1970 لجأوا الى قواعد هندسية بسيطة تم تأسيسها تجريبياً. و كما هو واضح في الشكل، تحدد الزوايا ببساطة بالنسبة لأوضاع كل من الهلال والشمس والأفق بالنسبة لجهاز الرصد. بهذه الطريقة، فإن القاعدة التي تحدد ما إذا كان الهلال مرئياً أم لا في هذا الوقت والمكان المحددين يتم حسابها من خلال هذه الزوايا. أقدم المعايير على سبيل المثال هو المعيار البابلي الذي يشير إلى أن الهلال يكون مرئيا بالعين المجردة إذا كان قوس الرؤية (الزاوية بين القمر والشمس) يتجاوز 12 درجة في لحظة الرصد،. وجرى تبني هذا المعيار (التقريبي) على مر العصور من قبل العديد من الشعوب الذين يمثل القمر بالنسبة لهم أساس التقويم، سواء لأغراض دينية أو مدنية.

عالج علماء الفلك المسلمون من بينهم العالم الكبير البتاني والفرغاني والبيروني والطوسي هذه المشكلة بطريقة مماثلة، وتوصلوا إلى قيم محددة بين 9.5 و12 درجة.

لم يتم إحراز أي تقدم حتى بداية القرن العشرين، عندما بدأ علماء الفلك الغربي دراسة هذه المشكلة ووجدوا أنها مثيرة للاهتمام بشكل كبير. في بادئ الأمر، جرت الاستعانة بنفس النهج التجريبي والمعايير الهندسية. وجمع فوثرنجهام (1910) وموندر (1911) بيانات من فترات أطول ومناطق أوسع، وتوصلا إلى أن الحد الأدنى لزاوية قوس الضوء لرؤية الهلال كانت بالفعل تقريبا 11 أو 12 درجة، لكن هذا فقط حينما يكون السمت النسبي (الزاوية الأفقية) بين القمر والشمس صفرا، وكلما زاد حجم السمت، كلما انكمش قوس الرؤية المطلوب لتحديد موقع الهلال. وفي عام 1932، توصل اندريه لويس دانجون إلى أنه لا يمكن مطلقا رؤية الهلال بالعين المجردة إذا كانت الزاوية بين القمر والشمس أقل من 7 درجات. وأصبح هذا يعرف بـ”حد دانجون”، والذي تم مؤخراً خفضه إلى 6.5 للعين المجردة و 5.5 درجة للمنظار “التلسكوب”.

شهد عام 1970 وعام 1980 تطورات جديدة مثيرة للاهتمام، كان أولها النتيجة التي توصل إليها بروين (1977) وهو أنه طالما أن المشكلة تعتمد بشكل كبير على عوامل الغلاف الجوي المحلي2، فإنه ينبغي التعامل معها من خلال الفيزياء بدلا من الهندسة. ولذا، اقترح نموذجاً جديداً. ومن خلال هذا النموذج، يتم تحديد التباين بين سطوع القمر (يمكن أن تحسب هندسيا من موقع القمر بالنسبة للشمس وجهاز الرصد على حد سواء) والسماء الخلفية (التي تعتمد على الظروف المحلية). يتم بعد ذلك عمل مقارنة بين هذا التباين والحد الأدنى من سطوع القمر الذي يمكن رؤيته بعين الإنسان المجردة (أو التلسكوب). وهذا يؤدي إلى التنبؤ بمدى وضوح رؤية الهلال في أي ليلة معينة من أي موقع معين.

وخلال تلك الفترة الزمنية نفسها، قام عالم الفلكي الماليزي محمد إلياس بعمل شيئين3. أولاً ، وضع معياراً هندسياً جديداً مشابهاً للنموذج القديم، لكنه أكثر دقة قليلاً. ثم قدم مفهوماً جديداً وهو “خط التاريخ القمري” ، والذي يقسم العالم إلى منطقتين من حيث خطوط الطول. إلى الغرب من هذا الخط، سيصبح من الممكن رؤية الهلال في سماء الليل، وسيبدأ الشهر في اليوم التالي. أما بالنسبة لجميع المناطق التي تقع إلى الشرق من الخط لن يكون بإمكانها رؤية الهلال، وبالتالي سيتأخر بدء الشهر ليوم واحد. من المهم أن ندرك أن هذا الخط يتغير كل شهر، وليس سلساً ويوجد به بعض القدر من عدم الوضوح. وتوالت على مر السنين المزيد من النماذج، سواء من النوع الفيزيائي أو الهندسي45.

وباختصار، يمكن القول بأن لدينا اليوم نماذج جيدة ومعايير دقيقة لمعرفة أين ومتى يمكن أو لا يمكن رؤية الهلال. من الصعب بطبيعة الحال التنبؤ بالظروف الجوية محلياً، ولذا فإن دقة التنبؤات بمدى وضوح رؤية الهلال تخص هذه المنطقة بعينها. ولأسباب عملية، فإنه التنبؤ الخاص بالبلد أو الدولة يعتبر كافيا.

تقويم موحد

ثم لماذا نحن المسلمين لا نزال نعاني من ارتباك عندما نريد أن نعرف بداية الشهور المقدسة؟ ولأن المجتمع، وبالأخص رجال الدين، لازالوا يصرون على أن الشهر يبدأ عند رؤية الهلال الجديد بالعين، فإن هذا الشرط من شأنه أن يؤدي إلى حدوث تباين بين المسلمين في جميع أنحاء العالم. وقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص يرتكبون أخطاء عن غير قصد عند رؤية الهلال الجديد ، حتى عندما يكون الهلال غائبا في كبد السماء. وتوصلت دراسات أجراها عدد من الباحثين في الجزائر، والأردن وسوريا والمملكة العربية السعودية أنه على مدى السنوات ال50 الماضية ، فإنه تم الإعلان بشكل خاطئ عن 50٪ إلى 90٪ عن مناسبات دينية استنادا إلى تقارير شهود عيان.

“هل الفلكيون المسلمون اليوم قادرون على إنشاء تقويم يمكن تطبيقه بشكل كامل لأغراض دينية ومدنية”

وطالما أننا مصرون على رؤية الهلال عشية بداية الشهر، وخصوصا من خلال الرصد بالعين المجردة، فسنرتكب أخطاء، وهو ما أدى إلى وجود اختلافات داخل البلدان وبين الدول. وهذا هو السبب في أننا نجد في أيامنا هذه أن بداية ونهاية شهر رمضان في العالم الإسلامي على مدى ثلاثة أو أربعة أيام مختلفة.

إذن فما هو الحل لهذه المعضلة؟ يتمثل الحل ببساطة في إنشاء تقويم إسلامي، يستخدم للأغراض الدينية والمدنية على حد سواء. المملكة العربية السعودية لديها تقويم إسلامي (تقويم أم القرى)، ولكن فقط لأغراض مدنية، مثل دفع الرواتب وتحديد العطلات الدراسية. ومع ذلك، يجري انتهاك هذا التقويم بشكل روتيني في كل مرة يعلن فيها أشخاص رؤية الهلال في مناسبة دينية وتقبل السلطات بشهادتهم.

هل الفلكيون المسلمون اليوم قادرون على إنشاء تقويم يمكن تطبيقه بشكل كامل لأغراض دينية ومدنية؟ نعم. بالفعل، فبعد سنوات من العمل والمناقشات التي دارت خلال اجتماعات ومؤتمرات، ظهر تقويمان مقترحان، الأول هو تقويم موحد1 يستند إلى قاعدة واحدة لبداية الشهر القمري في أي مكان في العالم والثاني هو تقويم لمنطقتين6، اقترحته أنا ومحمد عوده، ويقسم العالم إلى قسمين (قارات العالم القديمة والجديدة) ويستنبط تقويمين مختلفين قليلا (يتوافقان بنسبة حوالي 75٪ في الوقت، ويختلفان بيوم في أوقات أخرى).

قد يبدو من الواضح أن التقويم الموحد أفضل، وبالتالي فإن اقتراح تقويم لمنطقتين يبدو أنه غير مجدي، ولكن هناك إيجابيات وسلبيات لكلا المقترحين. لا يضمن التقويم الموحد توافقاً كافياً مع وضوح الرؤية في العالم الإسلامي، في حين أن التقويم الذي يستند إلى منطقتين قد لا يراعي قدر من الوحدة، لكنه في المقابل يضمن (للسلطات الدينية) أن الأشهر متوافقة بشكل كامل تقريبا مع رصد الهلال.

ولذا فإنه إذا كانت المشكلة مفهومة تماماً، وعمل الفلكيون المسلمون بجد وتوصلوا إلى حلول جيدة، فلماذا يرفض العالم الإسلامي تبني أي حلول تضع نهاية لهذه المشكلة الإجتماعية والدينية المزعجة والقائمة منذ فترة طويلة؟ ولأن العديد من الناس لازالوا يجدون صعوبة في تجاوز الطرق التقليدية القديمة في رؤية الهلال ليلة الشك من أجل تحديد بداية الشهر.

فإنه بمجرد التخلص من هذا الإنغلاق الذهني، فسيتم حل المشكلة بسرعة وسهولة بالتأكيد.

نضال قسوم هو عالم الفيزياء الفلكية وأستاذ الفيزياء في الجامعة الأميركية في الشارقة في الإمارات العربية المتحدة.

Nidhal Guessoum, published in Nature Middle East, August 9th 2010.

Nidhal Guessoum is an astrophysicist and professor of Physics at American University of Sharjah.

References

  1. Abdurrazik, J., Al-Taqweem al-Qamariy al-Islamiy al-Muwahhad (The unified Islamic lunar calendar). (Mersem, 2004)
  2. Bruin, F. The first visibility of the lunar crescent. Vistas in Astronomy. 21, 331-358 (1977) | Article | ADS
  3. Ilyas, M. A Modern Guide to Astronomical Calculations of Islamic Calendar, Times & Qibla. Berita Pub. 169-174 (1984)
  4. Yallop, BD. A method of predicting the first sighting of new moon. (HM Nautical Almanac Office, Royal Greenwich Observatory), 69 (1998)
  5. Odeh, M. New criterion for lunar crescent visibility. Experimental Astronomy. 18, 39-64 (2004) | Article | ADS
  6. “Progress in solving the problem of the crescent-based Islamic calendar”, Proc. 1st Emirates (Intl) Astro. Conf. (eds, Guessoum, N. & Odeh M.), 77-86 (2007)
  7. Schaefer, B.E. Visibility of the lunar crescent. Q.J.R. Astron. Soc. 29, 511-523 (1988)
]]>
تطوّر البرامج الفضائية العربية https://islam-science.net/ar/%d8%aa%d8%b7%d9%88%d9%91%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%ac-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-2-3217/ Fri, 17 Oct 2014 00:00:50 +0000 http://islam-science.net/?p=3217 نضال قسوم

في شهر تموز/ يوليو الماضي، أعلنت قيادة الإمارات العربية المتحدّة عن إنشاء وكالة الفضاء وكذلك عن النيّة بإرسال مركبة غير مأهولة إلى المريخ في العام 2021، لتتزامن مع الذكرى الخمسين لتأسيس الدولة.  لقد كانت تلك أول مبادرة من قبل دولة عربية لإرسال مركبة فضائية الى كوكب أو قمر أو أيّ جرم سماويّ. فعلى مدى العقود السابقة، انحصرت البرامج الفضائيّة العربيّة في الأقمار الصناعية، بل تحديدا في تشغيلها من الأرض، وإن كانت هناك أحياناً مشاركة في إطلاقها ووضعها في مداراتها المحددة.

ويمكن رسم ملامح البرامج الفضائيّة العربيّة من خلال وكالات الفضاء الوطنية، والتي تمتلكها الآن ستّ دول عربية فقط، هي: الجزائر (حيث تأسّست الوكالة في يناير 2002)، مصر (الهيئة الوطنية للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء، وتأسست في 1994)، المغرب (المركز الملكي للاستشعار عن بعد، وتأسس في ديسمبر 1989)، السعودية (معهد أبحاث الفضاء)، تونس (المركز الوطني للاستشعار عن بعد، وتأسس في  العام 1988)، والإمارات العربية المتحدة (الوكالة التي تأسست مؤخّراً كما ذكر آنفاً). وتقوم وكالات الفضاء في الجزائر ومصر والسعودية والإمارات بتشغيل أقمار صناعية، ولا توجد تقنيات فضائية أخرى تديرها أو تتابعها تلك الوكالات، من قبيل إطلاق الصواريخ أو تدريب روّاد فضاء (للسفر على متن مكوك فضائيّ أو قضاء فترات على المحطة الفضائية الدولية). طبعاً يمكن للبعض أن يذكّر برائدي الفضاء العربيين اللذين ذهبا في رحلة إلى الفضاء، كليهما في أواسط عقد الثمانينيّات، الأول على متن مكوك الفضاء الأمريكي والثاني في مركبة الفضاء الروسية سيوز.

إن الثقافة العربية-الإسلامية تجاه العلم والتقنية تغلّب النظرة النفعية المباشرة، وهو موقف الحكومات والجمهور العام على حد السواء. وهكذا، فقد ركّزت برامج الفضاء العربية على الأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد والاتصالات. أما استكشاف الفضاء فنُظر إليه على أنه ترف، إن لم يكن مسعى عديم الجدوى لا يستحقّ ولا يبرّر صرف الأموال الضحمة.

وقد ركّز العالم العربيّ بادئ الأمر (في عقد السبعينيّات) على أقمار الاتصالات، مع أقمار “عربسات” (المنظمة العربية لأقمار الاتصالات)، ثم جاءت فيما بعد أقمار “نايلسات”، حيث كان ينفق على وضع تلك الأقمار في مداراتها وتأجير قنوات التلفزيون والإذاعة. وقد كان إنشاء “عربسات” في العام 1976 من قبل دول الجامعة العربية بهدف خدمة قطاع الاتصالات والمعلومات والثقافة والتعليم. وتمّ وضع أول أقمارها الصناعية في المدار بواسطة الصاروخ “آريان” في العام 1998، ومنذ ذلك الحين تم إطلاق وتشغيل عدة أقمار صناعية في إطار ذلك البرنامج.

إضافة لذلك، تابعت بعض الدول العربية الاهتمام بتكنولوجيا الأقمار الصناعية لأسباب “استراتيجية”، فكان العراق أول بلد عربيّ يطلق قمراً صناعياً (في ديسمبر 1989)، ليصبح بهذا عاشر دولة في العالم تضع قمرا لها في مدار. وفيما بعد، قامت دول عربية أخرى بوضع أقمار لها، مركّزة إلى حدّ كبير على الاستشعار عن بعد، مثل المغرب، الذي أطلق قمر “زرقاء اليمامة” (“Maroc-Tubsat”) في ديسمبر 2001، والجزائر (بقمرها “أل-سات 1″ Alsat-1) الذي طوّر في المملكة المتحدة وأطلق في نوفمبر 2002)، بالإضافة إلى أقمار اتصالات مثل “الثريا” لصالح الإمارات العربية المتحدة (والتي تم تصنيعها من طرف شركة بوينغ بكلفة بليون دولار، وكان أول إطلاق لها في أكتوبر 2000، والثاني في يناير 2003).

وفي العشر سنوات الماضية، ظهر المزيد من الجهود العربية الفردية، وخاصةً من قبل دول الخليج، إذ تمتلك الإمارات العربية المتحدة الآن أربعة أقمار في الفضاء وهي دبي سات-1 و2، وياه-سات 1A، 1B، وقد صُنّعت تقريبا كلها خارج الإمارات وتمّ إطلاقها بصواريخ دول أخرى. ولكن حكومة الإمارات قد أعلنت أن القمر دبي سات-3 سيتم تصنيعه داخل الدولة وستستخدم الخبرات التقنية الوطنية لإتمام معظم العمل. ومن نفل القول أن الجهود العربية المتعلّقة بتصميم الأقمار وبنائها وإطلاقها ووضعها في مداراتها ما تزال حتى الآن ضعيفة جداً، وخاصّةً إذا ما قورنت بالبرنامج الهنديّ على سبيل المثال.

ولهذا، فإن تصريح حكومة الإمارات العربية المتحدة حول المهمة الفضائية التي ستطلق للمريخ كان مفاجأة مفرحة، إذ كسر التركيز التقليديّ على تكنولوجيا الأقمار الصناعية واتجه، من خلال استكشاف الفضاء، إلى تطوير الخبرات والقدرات الوطنية، كما صرّح بذلك رئيس الدولة في البيان الرسميّ الذي أعلن عن المبادرة المذهلة.

وفي مسار آخر في نفس المجال، أعلنت كل من قطر والإمارات العربية المتحدة مؤخّراً عن خطط لتأسيس مدينة فضائية في قطر بكلفة 3.3 بليون دولار، ومركز فضائيّ في أبو ظبي بكلفة 800 مليون دولار، ومشروع محطّة فضائية في أبو ظبي أيضاَ مع شركة Virgin Galactic التي تمتلك تسهيلات في دبي.

لكن هناك  نقص رئيسيّ يمكن ملاحظته في برامج الفضاء هذه يتمثّل في الغياب شبه الكامل  للتنسيق أو حتى التعاون سواء على المستوى الإقليميّ (ضمن دول الخليج مثلاً)، أو على المستوى العربيّ، مع أنه كانت هناك دعوات لإنشاء وكالة فضاء لعموم الدول العربية، شبيهة بوكالة الفضاء الأوروبية (ESA) التابعة للاتحاد الأوروبيّ، بهدف التنسيق للبرامج الفضائية على مستوى جامعة الدول العربية،. إنّ من شأن تلك الوكالة تنسيق الجهود، وبالتالي اختصار كلفة إطلاق وتشغيل الأقمار الصناعية، وإتاحة الفرصة لكثير من الدول للاستفادة من الصور والبيانات التي توفّرها الأقمار المختلفة، بدلاً من ازدواجية الجهود ومضاعفة الإنفاق من غير داعٍ.

وبالمثل، يمكن ملاحظة الغياب الكامل لأيّ حشد للموارد البشريّة والماديةّ: إذ حسب ما أعلم، لم يتم عقد أي اجتماع لعلماء الفضاء العرب سواء الموجودين في الوطن العربيّ أو خارجه مع المسؤولين العرب، سواء على مستوى الدول العربية منفردة أو مستوى الجامعة العربية.

 نظرة مستقبلية

إنّ لبرامج الفضاء (التقنية والاستكشافية) الكثير مما يمكن أن تقدّمه للعالم العربيّ في هذه المرحلة من تطوّره العلميّ والتقنيّ والاقتصاديّ والتعليميّ والثقافيّ. فبرامج الفضاء تلعب دوراً حيوياً في التخطيط المدنيّ (من خلال التصوير والاستشعار عن بعد)، ومراقبة مناطق الصحراء والغابات، والرصد العسكريّ، إلخ. بالإضافة إلى ذلك وعلى مستوى آخر، يمكن لهذه البرامج أن تعطي الأمة مكانة جيوسياسية، وربما الأكثر أهمية من ذلك هو سبلها التعليمية الملهمة لجيل الشباب والناشئة.

لأجل ذلك كله فإنّ عالمنا العربيّ هو أحوج ما يكون لإرساء استراتيجية واضحة ومتعدّدة الجوانب تجاه المشاريع الفضائية برؤيا مستقبلية.

ترجمة أ. بسمة ذياب لمقال نضال قسوم الصادر بموقع Muslim-Science.com:

http://muslim-science.com/arab-space-programs-slowly-coming-age/

]]>
مستقبَل عِلْم الفَلَك https://islam-science.net/ar/%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%8e%d9%84-%d8%b9%d9%90%d9%84%d9%92%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%8e%d9%84%d9%8e%d9%83-3185/ Fri, 03 Oct 2014 00:00:00 +0000 http://islam-science.net/?p=3185 يرى نضال قسوم أن المنطقة العربيةبإمكانها أن تستعيد مكانتها في مجال الفَلَك، خاصّةً على المستوى البحثي،إذا وجدت الإرادة والطموح لذلك.

نضال قسوم

انتقدتُ في مقالي «حان الوقت لنهضة فلكية عربية»1 ـ المنشور في دوريةNature الدوليةفي يونيو 2013 ـ الحالة المؤسفة التي وصل إليها علم الفَلَك العربي اليوم،المتباينة تمامًا مع عصره الذهبي، الذي استمر من أوائل القرن التاسع إلىنهاية القرن السادس عشر. فاليوم، لا يوجد في العالم العربي بأكمله مرصدفلكي يحوي تليسكوبًا بقُطْر يزيد على متر واحد، سوى مرصد القطامية بمصر،الذي لا ينتِج سوى القليل جدًّا من الأبحاث القابلة للنشر. قارِنْ هذاباثني عشر أو أكثر من المراصد المنتشرة في كل من الهند وجنوب أفريقيا، وهذهالأخيرة تملك منظارًا بصريًّا قطره 11 مترًا، يُعَدّ الأكبر في النصفالجنوبي من الكرة الأرضية. إنّ هذا الوضع غريب للغاية؛ فالعالَم العربي بهعدة جبال عالية تصلح لإنشاء عدد من المراصد من الطراز العالمي، ويمتلكالثروة المادية المطلوبة لذلك، كما يوجد مجتمع فلكي جيد، على مستوى الهواةوالمحترفين.

هناك مؤشِّر آخر للحالة المؤسفة لعلم الفَلَك العربي، هو ندرة البرامجالجامعية، والإنتاج البحثي الضعيف، الذي يمكن قياسه بعدد الأبحاث المنشورةفي دوريّات علمية عالية المستوى، ومعدلات الاقتباس لتلك الأبحاث، إذ لاتقدِّم غالبية الجامعات العربية مقررًا تمهيديًّا في علم الفَلَك، وهو ماأرى ضرورة إلزام جميع الطلبة بدراسته؛ لأن هذا سيساعدهم على فَهْم الكون منحولهم، والسماء من فوقهم، والظواهر التي تحدث بانتظام (الكسوف، والخسوف،والانفجارات الشمسية، وزَخّات الشُّهُب، والأَهِلَّة، إلخ.)، والاكتشافاتالتي يُعلَن عنها كل يوم تقريبًا (أبرزها الآن، الكواكب الجديدة خارجالمجموعة الشمسية). أما الجامعات التي تطرح درجة بكالوريوس في علم الفَلَك،فتُعَدّ على أصابع اليد الواحدة، وهي تقل سنة بعد سنة، وعدد الطلبةالمسجّلين في هذا التخصص قليل جدًّا. وعلى مستوى الدراسات العليا، فالوضعمُحْزِن كذلك، كسابقه.

أما بالنسبة إلى البحث الفلكي كمؤشر أخير، فقد عرضتُ في مقالي في دوريةNature الدوليةأرقامًا تثبت أن مجموع الإنتاج البحثي في العالم العربي يتضاءل، مقابلإنتاج إسرائيل، أو تركيا، أو جنوب أفريقيا، سواء من ناحية الكَمّ، أمالكَيْف.

مقاومة الانحدار

منذ نَشْر المقال، وقععدد من التطورات، بعضها إيجابي، والآخر سلبي، فيما يخص مستقبل علم الفَلَكالعربي، المتعلِّق باحتمال إنشاء مرافق فلكية جديدة، أو وضع برامج تدريسجامعية.

ومن أجل التسهيل على الوزارات، والوكالات، والجامعاتالعربية، للبدء في بناء مراصد فلكية، قمتُ مع اثنتين من طالباتي ـ نورةالسعيد، وندى عبد الحافظ ـ بإعداد بحث نظري؛ لتحديد أفضل المواقع للمراصدالفلكية في العالم العربي. استخدمنا في ذلك عددًا من المعايير المعترَف بهادوليًّا، مثل الارتفاع، وشفافية الهواء، وعدد الليالي الصافية في العام،والرطوبة، ودرجة الحرارة والرياح، بناء على البيانات المنشورة أو المتاحةعبر الإنترنت.

نَتَجَتْ عن هذا الجهد قائمةٌ بالمواقع المناسبة لبناءمراصد فلكية بها، وهي ـ حسب أفضليّتها ـ في: جنوب سيناء في مصر، وجبالالحجاز في السعودية، وجبال الهقار والأوراس في الجزائر، ووادي رم فيالأردن، وجبال الأطلس في المغرب، وجبال مرّة في السودان، ودار شيخة فيالعراق. أمّا المواقع الأخرى، فقد كانت أقل من المُرْضِية.

هذا هو حلمي إذن: أنْ يتم بناء مراصد فلكية في كلٍّ مِن تلك المواقع خلال الأعوام العشرة القادمة. وفي مقالي المنشور بدوريةNature الدولية،قمت بتقدير التكلفة الإجمالية لبناء منشأة كبيرة، شاملة المعدات المتطورة،والمباني، والطرق المحلية، والبنية التحتية؛ وقد بلغت من 50 إلى 100 مليوندولار. أما المشروعات الأكثر تواضعًا، خصوصًا في المواقع التي لا تتطلبنفقات ضخمة للبنية التحتية، فيمكن إقامتها بتكلفة 10 ملايين دولار تقريبًا.

أحلم ببناء مراصد فلكية في المواقع التي حدَّدناها حول العالم العربي خلال الأعوام العشرة القادمة.

في أكتوبر من العام الماضي، أعلن2صندوق المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات ـ التابع لحكومة دولة الإماراتالعربية المتحدة، ومجموعة دبي الفلكية ـ إطلاق مشروع مرصد فلكي كبيربميزانية 30 مليون درهم (8.2 مليون دولار أمريكي)، يضم منظارًا قُطْره من 2.5 إلى 3 أمتار. ومن المخطَّط أن يبدأ البناء في هذا الشهر (أكتوبر) فيجبال رأس الخيمة، على ارتفاع 1600 متر. وفي الجزائر، تتواصل دراسة مشروعمرصد في جبال الأوراس (جبل شيليا، بقمة على ارتفاع 2300 متر) منذ سنوات. أبلغني الفلكيُّون القريبون من المشروع أنه تم إحراز تقدُّم إداري جيدمؤخرًا، ومن الممكن أن يبدأ العمل على الأرض لاحقًا في هذا العام.

أخيرًا، وخلال الأعوام القليلة الماضية، جاء ذِكْر3عدة مشروعات لمراصد فلكية في السعودية، وقطر، والعراق، لكن لا توجدإعلانات رسمية، ولا دليل لأي تقدُّم في هذا الصدد على أرض الواقع.

إضافةالى ذلك.. فحال دراسة علم الفَلَك في الجامعات العربية ما زال سيئًا، إنْلم يكن أسوأ من أي وقت مضى. فبرنامج الدكتوراة الذي أقيم بجامعة قسنطينةبالجزائر من عام 2008 إلى عام 2010 بات مجمدًا، ينتظر زوال العقباتالإدارية، وبرنامج الماجستير الذي استمر لأكثر من 15 عامًا بمعهد علومالفلك والفضاء بجامعة آل البيت، بالأردن، يُعَدّ مغلقًا الآن، بدون فريقأكاديمي، أو إداري. والتطور الإيجابي الوحيد مؤخرًا هو بداية طرح برنامجماجستير في الفيزياء الفلكية بجامعة نوتردام ـ لويزة، بلبنان، بالاشتراك معجامعة سانت جوزيف ببيروت.

إذَن، فمستقبَل علم الفَلَك العربي مرهونبالخطوات التالية: 1) بناء مَراصِد تحوي مناظير بِقُطْر يتراوح ما بين مترومترين في المواقع المذكورة أعلاه؛ 2) تدريس مقررات تمهيدية ـ على الأقل ـلعلم الفَلَك في جميع الجامعات العربية، وخاصةً العامّة منها، 3) وضع برامجدراسية متعددة التخصصات بين الفيزياء الفلكية وغيرها من المجالات؛ 4) توفير منح دراسية للطلاب العرب، للالتحاق ببرامج الدراسات العليا في مؤسساتإقليمية ودولية متنوعة؛ 5) تنظيم مؤتمرات ذات معايير دولية، ونشر أعمالها؛ 6) إقامة ورشات حول علم الفَلَك لأساتذة التعليم الثانوي؛ للتأكد من تقديمالموضوعات في المناهج التعليمية بشكل صحيح للطلبة، ولترسيخ حب علم الفَلَكفي مراحل التعليم الأدنى؛ 7) إثراء محتوى الشبكة العنكبوتية في علمالفَلَك باللغة العربية، حيث إنه ـ في الوقت الحالي ـ يُسْفِر البحث عنالموضوعات الفلكية غالبًا عن صفحات تنجيم تأتي في مقدمة الروابط المقترَحة.

إنعلم الفَلَك يحظى بحب حقيقي وعميق في الثقافة العربية؛ ولذا.. حان الوقتلتعزيز ذلك على مختلف الجبهات (التدريس، والبحث العلمي لدى المحترفين،ونشاط الهواة، والإعلام)، ورفْعه إلى مستويات دولية، فهذا العِلْم لديهالكثير من الفوائد التي يعود بها على المجتمع.

References

  1. Guessoum, N. Astrophysics: Time for an Arab astronomy renaissance. Nature 498, 161–164 (2013).
  2. Hanif, N. Dh30 million space observatory in UAE is first of its kind in Gulf. The National www.thenational.ae/uae/dh30-million-space-observatory-in-uae-is-first-of-its-kind-in-gulf (2013).
  3. Alnaimiy, H. Space science and astronomy in the Arab world: Perception between reality and the future. Arabian Agency for astronomy & Space News http://astronomysts.com/articles.php?action=show&id=1 (2009).

]]> تعرف على موعد بداية رمضان في منطقتك https://islam-science.net/ar/%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%81-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d9%85%d9%88%d8%b9%d8%af-%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%86%d8%b7%d9%82%d8%aa%d9%83-2965/ Fri, 27 Jun 2014 01:00:28 +0000 http://islam-science.net/?p=2965 وسبب الاختلاف بين الفلكيين والفقهاء حول رؤية الهلال

]]>
مساع لتطوير “الفلك” بالعالم العربي https://islam-science.net/ar/%d9%85%d8%b3%d8%a7%d8%b9-%d9%84%d8%aa%d8%b7%d9%88%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%84%d9%83-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-2857/ Sat, 07 Jun 2014 00:00:35 +0000 http://islam-science.net/?p=2857 عقد مجموعة من الخبراء والمختصين بمجال البحوث العلمية ندوة بعنوان “خطوات نحو نهضة فلكية عربية”. وعرضت المجموعة بعض الأفكار والاقتراحات لتنمية العلوم الفلكية في العالم العربي

]]>
قصة الكون – توطئة https://islam-science.net/ar/%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%88%d9%86-%d8%aa%d9%88%d8%b7%d8%a6%d8%a9-2872/ Sat, 07 Jun 2014 00:00:05 +0000 http://islam-science.net/?p=2872

“عندما تهيج حولنا العواصف العارمة، وتكون الدولة مهددة بالزوال،

ليس هناك أنبل من أن نرسي على دراسات هادئة تبقى إلى الأزل.”

كبلر

التحدي المزدوج

كتاب حول الكون موجه للجمهور العام وباللغة العربية! إن هذا التحدي المزدوج  يبدو بلا شك كمراهنة. أولا، وبحيث أن موضوع الكون (محتواه وتطوره) موضوع شيّق، إلا أن تبسيطه محفوف بكثير من الصعوبات وربما المخاطر، وكل المراجع المتوفرة والمعتمدة في الموضوع مؤلفة باللغات الأجنبية… وغير مترجمة (في سوادها الأعظم)، وهذا ما يفسر كون تفصيله بلغة الضاد يعتبر – حسب علمنا – سابقة. ثانيا، إن تأليف كتاب ما لا يحدث في فراغ ثقافي، بل ينتج من البيئة وتفاعلاتها. ولكن للأسف نشهد في عالمنا العربي فقر- بل انعدام – الحياة العلمية بمختلف أشكالها، وتتسبب قلة الأكسجين الثقافي في ضيق لذهن المؤلف والقارئ معا… أضف الى ذلك تعقيدا آخر يتمثل في تذبذب المصطلحات العلمية العربية في المجالات المتقدمة، الأمر الذي يجعل المؤلف  يضطر إلى تقمص دور “المجتهد اللغوي”.

لمن يتوجه هذا الكتاب؟

إننا نقدم هذا الكتاب إلى كل من له اهتمام بالكون بشتى جوانبه، التاريخية، العلمية، الدينية، الفلسفية، الخ… فموضوعه هو هذا الكون العظيم المترامي الأطراف، الملهم بالخشوع من خلال روعته (“ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك)، وربما “المخيف” في شساعته (الذي جعل الفيلسوف الفرنسي باسكال (Pascal) يصرخ: “إن اتساع هذا الفضاء اللانهائي يرعبني (L’étendue de ces espaces infinis m’effraie). وإن هذا الكون الذي نحن جزء منه هو امتداد لكوكبنا الأرض وبالتالي فهو بيتنا الأوسع. فهل يجوز لأي مثقف، بل أي عاقل، ألا يهتم بالكون الذي يعيش فيه، بماهيته، تطوره، مصيره، ومغزى وجوده فيه؟إن الإنسان يشعر بذلك الفضول الطبيعي تجاه ما يحيط به. وهذا الكتاب إنما يشكل محاولة لتوضيح بعض الحقائق وتلبية هذا الفضول. فكل من يفكر يهمه هذا الكتاب، وقد ألف من أجله.

التبسيط  العلمي  وما يقتضيه

لا شك أن كتابنا “قصة الكون” في جوهره كتاب علمي؛ ومن أهدافه إعطاء القارئ فكرة واضحة عن تصورنا الحالي للكون وما توصل إليه علماء الفيزياء والفلك من معرفة. وقد سعينا بكل ما في وسعنا إلى تبسيط قضايا معقدة ومطروحة أصلا في إطار نظريات الفيزياء المعاصرة وبصياغة رياضية. وقد كانت هذه العملية التبسيطية في منتهى الصعوبة في بعض الأحيان، إذ تطلبت استعمال أسلوب التشبيه والقياس لتوصيل المفاهيم والحفاظ في نفس الوقت على مستوى من الدقة في الوصف. ولكن كل قياس وكل تصوير هما – بالضرورة – محدودي الصلاحية، في حين أن الدقة المطلقة تستلزم معالجة رياضية، ونحن أردنا تفادي الإفراط والتفريط. وقد بدا لنا هذا المطلب أحيانا ليس فقط صعبا بل مستحيلا… وإذ كنا على وعي بهذه المعادلة الصعبة المستحيلة، إلا أننا كنا ندرك دائما أن أي عمل تبسيطي في العلوم هو بالضرورة غير كامل، وليس أمامنا إلا أن نؤلف بهذه الطريقة أو ألا نؤلف مطلقا…

وقد سعينا للوصول إلى حل وسط، مدركين مسبقا أن الحل الوسط قد لا يرضي الطرفين. ولذا نعتذر للمتخصصين الذين قد يلاحظون على بعض الشروحات شيئا من السطحية ونقص الدقة، كما نعتذر للقارئ غير المتخصص الذي قد يرى من جهته أننا في بعض الأحيان “نحلق فوق رأسه” وكأننا نخاطب أصحابنا العلميين.

ومما يؤكد سعينا الجاد على تبسيط المفاهيم أننا كنا أوفياء بالتزامنا المبدئي بعدم استعمال أي معادلة رياضية في هذا الكتاب.

كيف يقرأ هذا الكتاب؟

على الرغم من كل هذه التحفظات والاعتذارات المسبقة، سيجد القارئ  في هذا الكتاب مادة تناسب كل الأذواق وتلبي مختلف الاهتمامات. وقد تكون بعض الفصول أسهل لقارئ ذي ثقافة علمية، في حين أن فصولا أخرى ستجذب اهتمام طالب التاريخ أو المهتم بالقضايا الفلسفية. وحتى إذا وجد القارئ فصلا يبدو صعبا لأول وهلة، إلا أننا نعتقد صادقين أنه سيكون قادرا على الإلمام بأفكاره الرئيسية ولخطوطه العريضة – إذا كان له التحفيز الكافي. وليس من الضرورة، بل ليس من المقصود، أن يستوعب كل التفاصيل المقدمة لشرح قضية علمية ما، وإنما وضعت هذه التفاصيل لمن يريد التعمق فيها أو للمتخصص في المجال. وبعبارة أخرى، على القارئ أن يتعامل بحنكة مع الفصول التي قد تبدو له صعبة، وأن يسعى إلى استخراج الفكرة العامة وأن يترك التفاصيل لقراءة لاحقة.

MimBook3 copy

أجزاء الكتاب

أما الكتاب نفسه فقد قسم إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول يغلب عليه الجانب التاريخي، في حين  يعالج  الجزء الثاني التصور الحالي للكون، وهو يناسب القراء العلميين أكثر، أما الجزء الثالث فهو عبارة عن مناقشة فكرية، إبستيمولوجية، وأيضا دينية حول القضايا الكوسمولوجية (الكونية) المطروحة حاليا.

الجزء الأول

 لا يتطلب هذا الجزء كثيرا من المعلومات المسبقة من طرف القارئ، فقط عليه أن يكون ذا اهتمام بالتاريخ. نبدأ فيه بتقديم التصورات الكونية عند مختلف الحضارات البشرية القديمة، مثل البابلية، الإغريقية، الصينية، الهندية، الخ (الفصل الأول)، وفي الكتب السماوية: التوراة، والإنجيل، والقرآن (الفصل الثاني)، ثم التصورات الكونية عند العلماء المسلمين قديما وحاضرا (الفصل الثالث). ونخصص الفصل الرابع للثورة الفلكية الحديثة وانعكاساتها الكوسمولوجية، والتي كانت من ثمار النهضة العلمية في أوربا في القرن السادس عشر. ونعرض المراحل المختلفة لهذه التطورات الحاسمة، من نظرية كوبرنيكس إلى إدخال المنظار في الدراسات الفلكية من طرف غاليليو، إلى الثورة النيوتنية في فهم حركة الأجرام السماوية. أما الفصل الخامس، الخاتم للجزء الأول، فيعالج التصور الميكانيكي للعالم، والذي كان سائدا في أوربا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مع إشارة الى مزالقه العلمية والفلسفية.

الجزء الثاني

نعرض في هذا الجزء التطور الهائل للكسمولوجيا خلال القرن العشرين، وهو ما أخرجها نهائيا من دائرة التخمينات والتلمسات لتصبح علما ناضجا. وقد خصص الفصل السادس للاكتشافات الفيزيائية والفلكية ذات الطابع الكوني والتي حدثت في مطلع القرن العشرين. فإلى جانب الفيزياء أعيدت صياغة الميكانيكا النيوتنية صياغة نسبوية (المبنية على نظرية آينشتاين)، ثم عممت هذه الميكانيكا النسبوية بدورها في شكل نظرية النسبية العامة التي تكوّن الإطار النظري العام للنظريات الكوسمولوجية المعاصرة. أما من جانب علم الفلك، فقد تم التعرف على بنية مجرتنا، كما اكتشف أن مجرتنا ما هي إلا واحدة من عدد هائل من مجرات هذا الكون، وأن هذا الأخير في حالة توسع مستمر.

ويعالج الفصل السابع نظرية الانفجار العظيم من الناحية الهندسية خاصة، ومختلف النظريات الكوسمولوجية الحديثة. أما الفصل الثامن فيناقش بشيء من التفصيل الجانب الفيزيائي لنظرية الانفجار العظيم مما يسمح لنا بفهم المراحل التاريخية التي مر بها الكون ابتداء من الجسيمات والأنوية الأولية التي تم فيما بعد تركيبها في شكل ذرات، والتي تكاثفت بعد فترة في شكل سحب مجرية.

ويختتم الجزء الثاني (الفصل التاسع) بمناقشة نظرية التضخم الكوني التي تعتبر السيناريو الأحدث الذي يحاول شرح ما حدث في المرحلة المبكرة جدا من إنشاء الكون (جزء لا يذكر من الثانية الأولى).

ويجدر بنا الإشارة هنا إلى أن درجة صعوبة الجزء الثاني تزداد تدريجيا من الفصل السادس إلى الفصل التاسع، وقد يتطلب من القارئ غير المتخصص جهدا أكبر فأكبر على الرغم من أن كثيرا من التفاصيل التقنية قد وضعت في الهوامش.

الجزء الثالث

بعد الجزء الثاني المخصص للتصور العلمي الحديث للكون، نشأته وتطوره، نجد أنفسنا مرغمين على مناقشة العواقب والنتائج الفكرية لهذه المعطيات، ووضعها في علاقة مع الإنسان المشاهد من داخل الكون والمنتج لهذه النظريات والرؤى.

هذا هو موضوع الجزء الثالث الذي يبدأ بالفصل العاشر والذي يتناول الخلفيات الإيديولوجية للقبول البطيء لنظرية الانفجار العظيم في بعض الأوساط العلمية، أي لماذا رفض كثير من العلميين نظرية تقرر بداية الكون من العدم. أما الفصل الحادي عشر فيعالج قضية قد سال فيها كثير من الحبر ودارت حولها نقاشات حادة، وتتمثل في المبدأ الأنثروبي الذي ينص ببساطة على أن بروز الإنسان في الكون يفرض على هذا الكون أن يكون ذي تركيب معيّن، وأن هذا الأخير قد مر بتحولات محددة مسبقا من أجل ظهور الإنسان مستقبلا، و يستلزم ذلك أيضا وجود قوانين فيزيائية وبيولوجية خاصة. فالكون كأنه “مهيأ” من البداية لاستقبال الإنسان. إن هذا المبدأ، الذي وضع في قالب علمي، يقف في تعارض حاد مع التصور الكوبرنيكي التقليدي (أن ليس للإنسان أية مكانة جوهرية في الكون، كما أن وجوده لا يحمل أية دلالة بشأن خصائص هذا الكون). أما في الفصل الثاني عشر فنتساءل مجددا عن المشروع الكوسمولوجي ومعقوليته، أي الى أي حد يجوز للإنسان وهو عقل صغير محدود يحاول فهم كون شاسع من داخله… ويليه الفصل الثالث عشر المتمثل في اعتبارات أنتولوجية (دلالات) بشأن استنتاجات علم الكونيات: هل للكون مغزى؟

وننهي الكتاب بخاتمة تركيبية نبرز فيها أهم النقاط التي نوقشت والنتائج التي وصلنا إليها، دون أن نعطي إجابات نهائية!

نقطة أخيرة… قبل البدء

إن هذا الكتاب ثمرة عمل مشترك بين باحثين جزائريين كانا يقطنان في مدن مختلفة، ثم – في المدة الأخيرة من إنجازه – في قارتين مختلفتين. وقد يظهر من حين لآخر اختلاف في طريقة معالجة المواضيع بل حتى في بعض الآراء المعبر عنها، كما قد يظهر شيء من التكرار في الشروحات عبر الفصول، وقد فضلنا عدم تعديلها للحفاظ على انسجام كل فصل. ولكن هذا لا يعني أن الكتاب ألف كأجزاء منفصلة وبأساليب مختلفة، بل تم وضع التخطيط مشتركا من البداية، وقام كل من الكاتبين بمراجعة الأجزاء التي كتبها الآخر، وجرت مناقشة كل فقرة تقريبا بالتفصيل، لذا فلا يعجب القارئ إذا علم أن صياغة الكتاب (لوحدها) دامت أكثر من خمس سنوات…

قيل: “إن العلميين البارعين كان لهم في معظم الأحيان معلمون جيّدون، والذين لم يكن لهم مثل هؤلاء المعلمين، قرؤوا كتبا جيدة“. نأمل أن يحقق كتابنا هذا المعنى للقارئ، ولو بنسبة صغيرة، ويبقى التقييم له في الأخير…

وفي الختام، نود أن نشكر بدورنا أساتذتنا المخلصين الذين أوقدوا المشعل في الليالي الحالكات وأودعوه بين أيدينا. كما يود أحد منا (ج.م.) أن يشكر زوجته على مراجعتها الدقيقة لجزء كبير من الكتاب، وأن يشكر كذلك أ.أحمد جاري لمساعدته الكبيرة في إنجاز الأشكال. كما لا ننسى أن نشكر والدينا الأعزاء، وكل قريب شجعنا على السير وأمدنا بالمعونة على الدرب…

والله ولي التوفيق.

جمال ميموني ونضال قسّوم

]]>
مـوت مُذَنَّب https://islam-science.net/ar/%d9%85%d9%80%d9%88%d8%aa-%d9%85%d9%8f%d8%b0%d9%8e%d9%86%d9%91%d9%8e%d8%a8-2602/ Tue, 15 Apr 2014 00:00:31 +0000 http://islam-science.net/?p=2602 قبل أن يتحطم قرب الشمس، صار المُذَنَّب «أيسون» من مشاهير العلم. ويحاول الباحثون الآن استقاء الدروس من هذا الحدث.

ألكسندرا ويتز

بالقرب من ضفاف نهر بوتوماك، في مكتب تتبعثر فيه قواعد أقداح عليها شعار كرافت بير، وقدح دكتور هُو، يواصل كارل باتامس مشاهدة المُذَنَّبات الطائشة التي تدنو من سطح الشمس.

منذ عقد من الزمان، عندما انضم عالم الفيزياء الفلكية إلى مختبر بحوث البحرية الأمريكية في واشنطن العاصمة، لم يكن له اهتمام قوي بالمُذَنَّبات، لكنه أُرغم على الخدمة بسبب عمل المختبر في معدات بعثتين في مجال الفيزياء الشمسية، يمكنهما رصد الأجرام التي تمر قريبًا جدًّا من الشمس. وقد رصدت البعثتان حوالي 2600 من تلك المُذَنَّبات «التي ترعى حول للشمس» sun-grazing حتى الآن. ومن مهام وظيفة باتامس إعداد دليل مصور لهذه الاكتشافات. إنه الآن الوحيد في العالم العاكف على اقتفاء المُذَنَّبات التي ترعى حول الشمس. وقد قال في صباح غائم في يناير الماضي: «آمل أن أحصل على طالب متدرب في فصل الصيف، لكن حتى ذلك الحين.. سأظل أنا وحسب».

كل مُذَنَّبات النظام الشمسي ترتحل حول الشمس، لكن المُذَنَّبات التي ترعى حول الشمس تطير في حدود ثلاثة أنصاف أقطار الشمس من مركز النجم (نحو 1.4 مليون كيلو متر فوق سطحها). حظي باتامس بالشهرة في الخريف الماضي ضمن مجموعة بحثية، تتبع أثر أكثر المُذَنَّبات التي ترعى حول الشمس شهرة، ألا وهو مُذَنَّب «أيسون» ISON. وبينما كان «أيسون» يرتحل في النظام الشمسي الداخلي، ازدادت التوقعات بسرعة بين الفلكيين وهواة الرصد. وقد ساور كثيرين أملٌ في احتمال نجاته أثناء مروره القريب من (الشمس)، حتى يصير مشهدًا مثيرًا في السماء ليلًا، واستمراره زادًا للدراسة العلمية. وبدلًا من ذلك.. تفتَّت المُذَنَّب على نحو مشهود في نوفمبر، قبل سويعات، حيث كان يتهيأ لاجتياز الشمس.

يتساءل العلماء لم لقي «أيسون» هذا المصير. تشير النتائج الأولية إلى أنه ربما كان متطايرًا للغاية، وأصغر من أن ينجو من حرارة الشمس الحارقة ( M. M. Knight and K. Battams Preprint at http://arxiv.org/abs/1401.7028; 2014). كان «أيسون» مُذَنَّبًا غازيًا دقيقًا يقوم بأول رحلة له على الإطلاق في النظام الشمسي الداخلي – توليفة ربما هي التي حكمت عليه بالنهاية مبكرًا.

بيد أن موته قد يمثل علامة فارقة في دراسة المُذَنَّبات التي ترعى حول الشمس. شوهد «أيسون» نائيًا جدًّا في النظام الشمسي، وسمح مساره غير العادي لمركبة فضائية تدور حول الأرض والمريخ وعطارد أن تلتقط له صورًا من عدة نقاط ممتازة. جعل هذا «أيسون» أكثر المُذَنَّبات التي ترعى حول الشمس دراسةً حتى يومنا هذا. وما تعلمه الباحثون حتى الآن يشير إلى أن المُذَنَّبات التي ترعى حول الشمس لديها الكثير الذي تكشفه عن تنوع المُذَنَّبات، وكيف أنه من الصعب التنبؤ بما يمكن أن تفعله. وحتى وهم يعتصرون النتائجَ وينتزعونها من حادثة «أيسون»، يعدّ الفلكيون العدة للتناوش المُذَنَّبي القريب التالي في نهاية عامنا هذا.

لقد أرست قوة النيران الهائلة المرصودة لمُذَنَّب «أيسون» معيارًا جديدًا للتنسيق بين أسطول المركبات الفضائية والتليسكوبات الأرضية. «لقد كان على وشك جمعهم جميعًا» كما يقول باتامس. «وهذا لم يحدث من قبل قط».

وهج المجد

ظلَّ مراقبو السماء ـ لعدة قرون ـ يتعرفون على أجرام تختفي على جانب الشمس، وتعاود البزوغ على الجانب الآخر. ففي عام 1687، نشر إسحاق نيوتن أول حسابات لمدار الأجرام التي ترعى حول الشمس، مبينًا أن مُذَنَّب 1680 الهائل انتقل وفق قوانين الجاذبية التي وضعها، لكنه لم يكن عصر الأقمار الاصطناعية، التي يمكن للناس من خلالها مشاهدة الأجرام والمُذَنَّبات التي ترعى حول الشمس عن كثب.

اكتشف هواة علم الفلك معظم الأجرام والمُذَنَّبات التي ترعى حول الشمس قبل أيام قليلة من مرورها عبر جو الشمس، وذلك بغربلة الصور الملتقَطة عن طريق المركبة الفضائية للرصد الشمسي والغلاف الشمسي- سوهو (SOHO) – والبحث فيها. فالمسبار الشمسي الذي انطلق في عام 1995 يحدق في الشمس عن طريق مجموعة من ثلاثة رواسم للإكليل الشمسي، جهّزتها البحرية الأمريكية، التي تحجب قرص الشمس المركزي، ما يسمح للفلكيين برؤية تفاصيل غلافها الخارجي الوهّاج وما حوله. وبمجرد أن يروا مُذَنَّبًا محتملًا؛ ينبِّه الهواة باتامس.

Satellite Locations: NASA/STEREO. Photographs, Left to Right: Vitali Nevski/Artyom Novichonok; NASA/ESA/J.-Y. Li (Plan. Sci. Inst.)/Hubble Comet ISON Imaging Sci. Team; NASA/STEREO; ESA/NASA/SOHO

Satellite Locations: NASA/STEREO. Photographs, Left to Right: Vitali Nevski/Artyom Novichonok; NASA/ESA/J.-Y. Li (Plan. Sci. Inst.)/Hubble Comet ISON Imaging Sci. Team; NASA/STEREO; ESA/NASA/SOHO

وغالبية الأجرام والمُذَنَّبات التي ترعى حول الشمس تنتمي إلى عائلة ‘كروتز’ من المُذَنَّبات، التي سُميت تَيَمُّنًا بهينريش كروتز، عالِم فلكي عاش في القرن التاسع عشر، وقام بحساب كثير من مداراتها. ربما ترجع أصول مُذَنَّبات كروتز إلى مُذَنَّب واحد تحطَّم منذ آلاف السنين. وعند كل مرور قرب الشمس، إما أن تمر بصرير متجاوزة إياه وتنجو، أو تغوص في لظى الشمس؛ لتلقى مصيرها إذا اقتربت جدًّا. كل أسبوع أو نحوه، يشاهد باتامس أحد قطع المُذَنَّبات هذه وهي تتحول إلى رماد.

ومع ذلك.. ففي عام 2011، اقترب مُذَنَّب من نوع كروتز لمسافة 140 ألف كيلو متر فقط من سطح الشمس؛ ونجا مؤقتًا. وبعد أن أصدر أزيزًا وهو يمر عبر الغلاف العلوي للشمس، ظل المُذَنَّب «لف جوي» Lovejoy سليمًا متماسكًا، صانعًا عرضًا مشهودًا في سماوات الجنوب. انهار بعد أيام، وتحطَّم إلى شظايا بسبب قوى المد الناتجة عن سحب الجاذبية الجبارة للشمس. أخذ الباحثون قياسات غير مسبوقة من ذيل «لف جوي» المتأرجح في مجالات المغناطيسية القوية للشمس أثناء المرور الوجيز للمُذَنَّب عبر جو الشمس ( C. Downs et al. Science 340, 1196-1199; 2013).

وفي سبتمبر 2012، تحولت الأضواء إلى راع آخر حول الشمس، عندما اكتشف فلكيّان روسيان نقطة صغيرة في السماء في كوكبة السرطان. ولأن تليسكوباتهما كانت تنتمي إلى الشبكة البصرية العلمية الدولية، أُطلق على المُذَنَّب اسم «أيسون».

في ذلك الوقت، كان مُذَنَّب «أيسون» على بعد مليار كيلو متر من الشمس تقريبًا، بعد كوكب المشتري. كان هذا أبعد بكثير من معظم اكتشافات المُذَنَّبات، لأن المُذَنَّبات تصبح أكثر نشاطًا ووضوحًا كلما اقتربت من الشمس. ألمح الاكتشاف المبكر إلى أن «أيسون» إمّا مهول الحجم أو مدهش النشاط؛ ما أذكى التوقعات بأنه سيصبح مشهدًا تاريخيًّا في السماء عند وصوله إلى النظام الشمسي الداخلي.

ظهرت شكوك في إبريل من عام 2013، عندما صور تليسكوب الفضاء هابل المُذَنَّب «أيسون». ورغم أن فريق الرصد لم يمكنه قياس نواة المُذَنَّب مباشرة، إلا أن الباحثين خلصوا إلى كمية المياه التي ينضحها القلب الجليدي، التي تشير إلى أن عرضه قد لا يزيد عن ستة كيلومترات، أي أقل قليلًا من المتوسط.

لم يحدث قط أنْ شاهد الفلكيون مُذَنَّبًا ديناميكيًّا جديدًا يدنو بهذا الشكل من الشمس

جاءت فرصة أخرى لقياس المُذَنَّب في أواخر سبتمبر، عندما كان يطير مارًّا بالمريخ. عندما تأرجحت كاميرا تجربة التصوير العلمي عالية الدقة (HiRISE) على المسبار المداري للمريخ (MRO) – وهي أكثر الكاميرات دقة على الإطلاق تخطَّت مدار الأرض– كي ترى «أيسون»، وتلتقط مجموعة من الصور الفوتوغرافية المحببة بالأبيض والأسود. أسفر هذا عن تقدير أفضل للحجم، إذ قد لا يكون عرض «أيسون» أكثر من 1.2 كيلومتر. «كان شيئًا صغيرًا»، كما يقول كاري ليسه، الذي درس المُذَنَّبات في مختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جون هوبكنز في لوريل بولاية ميريلاند.

أقلق هذا الفلكيين. فكلما كانت نواة المُذَنَّب أصغر، كان احتمال نجاته أقل عند مروره قريبًا من الشمس. وحتى مع ذلك.. اعتقد بعض العلماء أن «أيسون» سوف يفعلها (انظر Nature http://doi.org/rdm; 2013).

بدأ مصير «أيسون» يتضح في الأيام التي سبقت وصوله قرب الشمس. ففي 20 نوفمبر الماضي، كان ينضح كمية هائلة من بخار الماء، بمعدل يشير إلي أن عرضه لا يزيد عن 500 متر. وبعد أيام قليلة، دخل في مجال رؤية رواسم الإكليل الشمسي الموجودة على توأمي الأقمار الصناعية لرصد العلاقات الأرضية الشمسية، أو مسبار ستيريو (STEREO)، التي على الجانب الآخر من الشمس من على الأرض. واصل المُذَنَّب السطوع، ثم خفت قليلًا، ثم سطع مرة أخرى، كما لو كان يتلظّى لهبًا بالفعل.

كلما اقترب من الشمس، بدا حال «أيسون» أسوأ. قال ماثيو نايت، عالم الفلك بمرصد لويل في فلاجستاف، بولاية أريزونا: «كنا مشدوهين صباح الاقتراب الوشيك». في 28 نوفمبر 2013، كانت أجازة عيد الشكر في أمريكا، حيث اجتمع نايت، وباتامس، وليسه في مرصد كيت بيك بولاية أريزونا؛ لمراقبة المُذَنَّب. كان نايت يأمل في استخدام التليسكوب الشمسي هناك؛ لالتقاط أطياف «أيسون» وهو يطير على بعد 1.2 مليون كيلومتر من الشمس. استيقظ مبكرًا جدًّا ـ (طالع الأرقام حول سطوع المُذَنَّب) ـ وأدرك أن المُذَنَّب خفت بين عشية وضحاها، متجاوزًا آماله. وقد تقلص إلى حجم لا دوام معه- ربما 50 مترًا – و كان على وشك التفتت إلى شظايا تمامًا.

لساعات.. قام الفريق ـ إلى جانب المعجبين بالمُذَنَّب في جميع أنحاء العالم ـ بمشاهدة «أيسون» وهو يطير مارًّا بمجال الرؤية لسوهو وستيريو. وازداد خفوتًا مع اقترابه من الشمس، ولم يعد ممكنًا رؤيته على الإطلاق بالمسبار الشمسي الثالث الذي يلقي نظرة أقرب على النجم. على الجانب البعيد من الشمس، حيث كان ينبغي للنواة أن تظهر، ظل «أيسون» سليمًا متماسكًا، حيث ظهر شبح سحابة من الغبار المتبقي، ما لبثت أن تلاشت بسرعة من المشهد.

تقَبَّل باتامس فقدان «أيسون» بشكل شخصي، «حقًّا، كان شيئًا انفطر له القلب». «وُلِدَ من 4.5 مليار سنة قبل الميلاد، وتفتت في 28 نوفمبر 2013»، هكذا كتب في نعيه على مدونة رصد «أيسون». «باقيًا على قيد الحياة بعد وفاة عدة تريليونات من الأشقاء، يترك المُذَنَّب «أيسون» وراءہ للفلكيين إرثًا لم يسبق له مثيل، والامتنان الأبدي لجمهور عالمي مفتون».

ذيل طويل

رغم خيبة الأمل، تحرك باتامس والفلكيون الآخرون بسرعة؛ لاستخلاص الدلائل والحلول من موت أيسون. لِمَ نجا مُذَنَّب «لف جوي»، رغم مروره أقرب كثيرًا إلى الشمس، بينما تحلَّل «أيسون»..؟ كان هذا لغزًا كبيرًا. والإجابة قد تكمن في التواريخ القديمة، كما يقول نايت.

ومن حيث انتمائه إلى عائلة مُذَنَّبات كروتز، فقد ارتحل «لف جوي» عبر النظام الشمسي الداخلي عدة مرات من قبل، حارقًا مكوناته الأكثر تطايرًا، لكن «أيسون» كان مُذَنَّبًا «ديناميكيًّا جديدًا» لم يسبق له مطلقًا أن زار هذه المنطقة من الفضاء. نزل مباشرة من سحابة أورط Oort؛ الخزان الجليدي للمُذَنَّبات خارج مدار بلوتو. وقضى معظم حياته في هذه السحابة، إلى أن وكزته جاذبية نجم عابر إلى مدار جديد، قبل بضعة ملايين من السنين (انظر: «رحلة نهاية»). وعند اقترابه من الشمس للمرة الأولى، بدأت الجزيئات المتطايرة تحلق بعيدًا عن نواته الجليدية. أولًا، احترقت المركبات العضوية البسيطة، مثل الميثان، وأول أكسيد الكربون، وتبعتها تلك الأكثر تعقيدًا، فيما يشبه كثيرًا شريحة لحم تُركت على مشواة مدة طويلة. كل هذا النشاط المبكر يفسر لماذا بدا «أيسون» ساطعًا جدًّا في البداية.

لم يحدث قط أن شاهد الفلكيون مُذَنَّبًا ديناميكيًّا جديدًا يدنو بهذا الشكل من الشمس. فالتتابع والمعدَّل الذي احترقت به جزيئات «أيسون» تمثل بيانات نقاط مهمة وإرشادية لفهم المُذَنَّب التالي الآتي إلى الداخل. يقول ليسه: «لقد تعلمنا أن المُذَنَّبات الديناميكية الجديدة تتطور وتتغير». إن ذلك أكثر ما احتال الفلكيون ليتعلموه في عام 2011 من المُذَنَّب «إلينين» Elenin الراعي حول الشمس، الذي كان زائرًا حديثًا نسبيًّا للنظام الشمسي الداخلي، لكنه كان خافتًا جدًّا على أن يزوّد بعلم قبل أن يلقى حتفه. وعلى نطاق أرحب.. قد تعمل تجربة «أيسون» كنموذج لحملات مراقبة المُذَنَّبات في المستقبل. إن سجلًا مكوَّنًا من 14 بعثة صورت المُذَنَّب من الفضاء، كما يقول ليسه، هو الذي قام بتنسيق حملة ناسا. وقد اشتملت على سطح عطارد، بيئة الفضاء، الجيوكيمياء، والمركبة الفضائية الجوالة «ماسنجر»، والمسبار المداري (MRO) للمريخ.

تلك التجربة ستوفر معلومات لحدث كبير في أكتوبر، عندما يمر مُذَنَّب «سايدنج سبرينج» Siding Spring على بعد 140 ألف كيلو متر من المريخ. ولسوف يكون أقرب مرور يُشاهَد على الإطلاق، وسوف يُلف الكوكب الأحمر فعليًّا في ذؤابة المُذَنَّب، أو حجاب الجليد والغبار حول النواة. وكالمناورة التي مورست مع «أيسون»، فإن مركبة مثل MRO تدور لتصوير «سايدنج سبرينج». يقول ليسه: «إنها مثل تحليق رخيص قرب مُذَنَّب».

 وبتكلفة أكثر، سوف ترسل وكالة الفضاء الأوروبية مركبة روزيتا؛ كي تهبط على المُذَنَّب «تشريموف-جيراسمينكو» 67P/ Churyumov-Gerasimenko في نوفمبر القادم (انظر: Nature 505, 269- 270; 2014). وبضم «سايدنج سبرينج» المعروف جماهيريًّا باسم CG، وفي أعقاب أيسون، وصف البعض عام 2014 بأنه عام المُذَنَّب.

وهذا يروق لباتامس، الذي يسلط عينًا حادة على كل ما قد يدخل مجال رؤيته المتمركزة حول الشمس. وهو يقول: «الآن، في حالة سكون وانتظار للشيء المثير القادم».

]]> استكشاف الفضاء: استكشاف الكون https://islam-science.net/ar/%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%83%d8%b4%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b6%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%83%d8%b4%d8%a7%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%88%d9%86-2443/ Fri, 07 Mar 2014 00:00:18 +0000 http://islam-science.net/?p=2443 جون زارنيكي
أحدثَ عصر الفضاء ثورةً في فهمنا للكون، القريب أو البعيد. وقد شهدت الستون عامًا الماضية وفرةً في طرق استكشاف الفضاء من الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض، متحررةً من قيود الغلاف الجوي، التي مكَّنَتنا من الإطلاع على الطيف الكهرومغناطيسي تقريبًا بأكمله، ومعظم المسابير الآلية، والتي مكَّنَتنا من دراسة معظم أجسام المجموعة الشمسية عن قرب.

في كتاب « أحلام العوالم الأخرى»، أخضع كريس إمبي، وهولي هنري 12 بعثة من بعثات الفضاء للفحص الدقيق. ووصفا كيف تم إنجاز البعثات، وشرحاها في سياق تاريخي، بل وثقافي أيضًا.. فالكتاب في نهاية الأمر ثمرة تعاون بين فلكيٍّ، وأديب. وبالنسبة إلى مَنْ لديه الخلفيّة العلمية، فهذا الكتاب يمثِّل منظورًا عامًّا ممتعًا، مقارنةً بالعديد من النصوص. على سبيل المثال.. الفصل الخاص بمُتَجَوِّلي استكشاف المريخ يأتي على ذكر أعمال هـ. ج. ويلز، وأورسون ويلز، وكذلك ـ الأكثر إدهاشًا ـ ت. س. إليوت، وفيرجينيا وولف، وفيتا ساكفيل ويست. ولتسهيل شرح تليسكوب الأشعة تحت الحمراء الفضائي «سبتزر» وبعض اكتشافاته، يستخدم المؤلفان كلاسيكية الخيال العلمي من عام 1870 لجول فيرن «عشرون ألف فرسخ تحت البحر»، وأفلام جيمس كاميرون «أفاتار» (2009)، و»كائنات الأعماق الفضائية» (2005).

إنّ اختيار 12 بعثة فقط يشبه انتقاء فريق كرة القدم المفضَّل لك على الإطلاق، أو اختيار أفضل 10 فنانين. إنه شيء مستحيل. وقائمة إمبي وهنري تشمل أمثلةً معروفة جيدًا خارج المجتمع العلمي، مثل تليسكوب الفضاء «هابل»، والمركبة الفضائية «فوياجر» Voyager، بالإضافة إلى أمثلة أقل شهرةً.. مثل بعثة رسم الخرائط النجميّة «هيباركوس» Hipparcos، ومرصد الأشعة السينية «تشاندرا»Chandra  . وأيًّا كان رأيك في اختياراتهما، فجميعها تم تحليلها جيدًا، وتقديمها بشكل علمي وممتع. يُذَكِّرُنا المؤلفان ـ إذا كنا نحتاج إلى ذلك التذكير ـ بأنه بالإضافة إلى كون هذه البعثات إنجازات تِقَنية رائعة، فالعِلْم هو جوهرها. وعندما يطوف بنا المؤلفان في الكون عالي الطاقة (المتمثل في علم فلك الأشعة السينية)، أو الكون البارد ـ الذي كُشِف عنه بواسطة أرصاد الأشعة تحت الحمراء ـ من داخل الشمس إلى الحدود الخارجية للمجموعة الشمسية؛ يتبيّن لنا أنّ إمبي وهنري مرشدان مُتَمَكِّنان. إنهما يشرحان الضرورة العلمية لهذه البعثات بطريقة سهلة وشيقة للمتخصصين وغير المتخصصين.

مع ذلك.. فلَدَيّ مشكلة مع نظرة الكتاب المتضمَّنة عن مركزيّة الولايات المتحدة في العالم. ليس هناك شك في أن البرنامج الفضائي الأمريكي ـ من الناحية العلمية ـ كان القوة المهيمنة. والاتحاد السوفيتي أنجز سبقًا عظيمًا مرات عديدة، مثل إنجازه أول مركبة هبوط قمريّة ناجحة: «لونا 9» في عام 1966، بالإضافة إلى أول صورة للجانب الآخر من القمر، و«فينيرا 7»: أول مركبة هبوط على كوكب الزهرة، لكنّ الإنتاج العلمي للبرنامج السوفيتي، ولاحقًا الروسي ـ مع بعض الاستثناءات الملحوظة ـ فقير نسبيًّا. وفي الآونة الأخيرة، حققت كل من وكالة الفضاء الأوروبية، واليابان، والهند، والصين نجاحات بالغة؛ تشتمل على أول تحليق بالقرب من نواة مذنب ـ نواة مذنب «هالي» ـ بواسطة مركبة الفضاء الأوروبية «جيوتو» عام 1986، والعودة إلى الأرض بجسيمات من الكويكب «إتوكاوا 25143»، أو بواسطة مركبة الفضاء اليابانية «هايابوسا» في عام 2010.

إنّ عدم ذكر بعثة واحدة للاتحاد السوفيتي، أو روسيا، أو اليابان يبدو لي قِصَر نظر. فمن السهل تقديم حجج لصالح مركبتي الهبوط على كوكب الزهرة «فينيرا 13 و14» اللتين ظلَّتا على سطح الكوكب لمدة تصل إلى ساعتين؛ أو لصالح مناطيد «فيجا» الفرانكوسوفيتية التي حلَّقت لمدة تصل إلى يومين في الغلاف الجوي للزُهرة؛ أو لصالح بعثة «هايابوسا».

ذكر إمبي وهنري بالفعل بعثتين بقيادة الاتحاد الأوروبي ضمن اختياراتهما. وهاتان البعثتان هما: «هيباركوس»، التي قامت بين عامي 1989 و1993 بقياس مواقع أكثر من 100000 نجم وأجسام أخرى بدقة غير مسبوقة، ومرصد الشمس والغلاف الشمسي «سوهو»، الذي تم إطلاقه في عام 1995، وما زال يعمل، راصدًا ما تحت وما وراء السطح المرئي للشمس. يشير المؤلفان في البداية إلى «سوهو» على أنه تابع لوكالة «ناسا»، ويكتبان لاحقًا أنه «قد تم تخطيط «سوهو» بواسطة وكالة الفضاء الأوروبية؛ واشترك في التصميم والبناء أربعة عشر بلدًا، وأكثر من ثلاثمئة مهندس»، وتَوَلَّت «ناسا» الإطلاق والعمليات البرية، وأسهمت أوروبا بالمعدات وبتمويل تليسكوب الفضاء «هابل» منذ البداية. والعجيب أنّ هذه الإنجازات ذُكِرَت بشكل عابر.

يشير المؤلفان بالفعل إلى أن علوم الفضاء نشاط دولي حقًّا، وتتم إدارته عمومًا بشكل حر، وسخيّ، وروح تتسم بالاحتواء، بالرغم من الأخطاء العَرَضِيّة. وبالرغم من ذلك.. فـ»القومية الفضائية» الضمنيّة المتغلغلة في كتاب «أحلام العوالم الأخرى» تشوِّه عملًا مفيدًا ومثيرًا للاهتمام.

]]>
لماذا يريد كل هؤلاء الذهاب إلى المريخ في رحلة بلا عودة؟ https://islam-science.net/ar/%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d9%83%d9%84-%d9%87%d8%a4%d9%84%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%87%d8%a7%d8%a8-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d9%81-1165/ Wed, 25 Dec 2013 02:55:33 +0000 http://islam-science.net/?p=1165 عندما أعلن مشروع “المريخ 1″ عن التخطيط لتجنيد متطوعين لرحلة ذهاب بلا عودة للكوكب الأحمر، اعتقد معظم الناس أنها فكرة جنونية، إذ من سيرغب برحلة إلى مكان قاحل وخطر ومملّ.. وبلا فرصة للعودة ؟! المفاجأة.. أن الآلاف تجاوزوا التردد وحسموا أمرهم!
فخلال ساعتين، كان أكثر من ألف شخص قد سجلوا طلباتهم وأرسلوا فيديوهات قصيرة ونبذات عن أنفسهم يشرحون فيها لماذا يجب أن يتم اختيارهم. وخلال أسبوعين كان هناك 78 ألف طلب. ولم تعلن آخر الأرقام بعد، لكن من المؤكد أنها بمئات الآلاف الآن.
لقد قام المشروع بدعوة الناس للتطوّع (مع دفع رسوم للطلب) ليكونوا ضمن موجات البشر الأولى للذهاب إلى المريخ وتأسيس محطة لآخرين ينضمون سنوياً. وخلال عقد من الزمن يقضي المشروع بأن يكون هناك حوالى 50 من المستوطنين المستكشفين للكوكب تحضيرا لإقامة محطة انطلاق للإنسانية نحو بقية المجموعة الشمسية.
وإذ يتيح الموقع الإلكتروني للمشروع الفرصة للزوار للاطلاع على طلبات الاشتراك مصنّفة حسب البلد والعمر والجنس واللغة والشعبية (حيث يمكن للزائر أن يعبر “بالإعجاب” أو بالتصويت للمرّشحين)، قمتُ يوم 31 أيار/ مايو بفحص الطلبات المرسلة من الدول العربية ووجدت (فقط) تسعة طلبات: اثنين من كلّ من العراق والمغرب، وواحد من كلّ من الجزائر ومصر وفلسطين وقطر والسعودية والإمارات العربية.
وكان الطلب القادم من فلسطين لافتاً! “مروة” إمرأة ذات الـ25 عاماً، وهي محجبة وتتقن جيدا التحدّث بالإنجليزية، عبّرت عن قناعتها بأحقّيتها في أن تكون ضمن البرنامج الذي يمثل بالنسبة لها “مشروع تحويل الكوكب الأحمر إلى كوكب أخضر” وإمكانية إلهام الآخرين (هنا على الأرض) لاتّباع أعظم أحلامهم.
ورغم أني لا أريد تثبيط أي أحد عن الترشّح، إذ أنني أشعر بالرهبة تجاه الروح الإنسانية التي تجعل شبابا تنتظرهم حياة طويلة وأحلام وإنجازات مستقبلية، يتطوّعون لهكذا رحلة بلا عودة، لكنني لست متأكداً من أنّ المرّشّحين يدركون تماماً ما سيواجههم.
لدى المريخ غلاف جويّ رقيق، حوالى 0.6 بالمئة من الغلاف الجويّ للأرض، وهو في معظمه مكوّن من ثاني أكسيد الكربون، ولا يحمي من الإشعاع. ومن المثير أن وكالة “ناسا” أعلنت بتاريخ 31 أيار/ مايو تقديرات حول كميات الإشعاع التي يمكن أن تواجه رحلة للمريخ، فقد تبيّن أنّ الروّاد سيتعرّضون لثلث كمية الإشعاع التي لا ينبغي تجاوزها طوال حياة الإنسان. بل ويمكن أن تكون كمية الإشعاع التي يتعرّض لها الروّاد أكبر من ذلك بناءً على النشاط الشمسي. صحيح أن الأغلفة القوية للمركبات يمكنها أن تساعد في الحماية من هذه الأشعة خلال الرحلة، لكنها لا تقدّم الحماية الكاملة، كما أنها سترفع من تكاليف المهمة بشكل كبير.
إضافةً لذلك، فإن جاذبية المريخ ضعيفة وتعادل حوالى ثلث جاذبية الأرض. كما لا يوجد ماء سائل، حتى وإن كان كثير من العلماء يعتقدون بتوفّر كميات منه تحت السطح. أما البرودة ففظيعة: يبلغ متوسط درجة الحرارة 50 درجة مئوية تحت الصفر ونادراً ما ترتفع فوق الصفر في أي مكان على سطح المريخ.
صحيح أنه يمكن للبشر أن يبنوا مستوطنات على المريخ (فتلك هي الخطة)، وأن يتم إنتاج ما يكفي من الهواء بضغط مناسب لتكون الحياة ممكنة، ويمكن للبشر أن ينتجوا الطعام وأن يعيدوا تدوير الماء، لكنّ التحدي الأكبر سيكون ظروف الحياة النفسية والاجتماعية.
إنّ مجموعة صغيرة من الناس يعيشون معاً لسنوات في بيئة مقيّدة سيواجهون تحديات ضخمة. وحتى يحظى المتطوّعون بفرصة للمشاركة، أعلن منظّمو مشروع رحلة المريخ عن وجوب امتلاك المرشّحين لصفات مهمة مثل المرونة والتفكير الخلّاق وحسن التدبير والإبداع والأمانة والثقة والقدرة على إقامة علاقات شخصية صحية وإيجابية. ولهذا السبب وصفت “مروة” نفسها بأنها قوية وذكية وخلاّقة وداعمة جيدة للآخرين، وأنها تعمل بروح الفريق بجدّ واجتهاد. فقد كانت تعلم أن تلك الخصال هي ما يبحث عنها قادة المشروع لدى المرشّحين.
لكن، أيجب أن نتفاجأ لرؤية كلّ أولئك التوّاقين للذهاب في رحلة بلا عودة إلى عالم بارد قاس غير مضياف؟ شبّه البعض هؤلاء المندفعين للرحلة بأولئك المستكشفين الذين ارتادوا “أنتاراكتيكا” (القارة القطبية المتجمدة) لأول مرة، أو أولئك الذين استكشفوا الغرب الأقصى أو داروا حول العالم وهم لا يعلمون ما الذي يمكن أن يواجههم. لكن، في كلّ الأحوال، ما قام به أولئك المستكشفون كان على كوكبنا الأرض، بالإضافة إلى أنه ومن حيث المبدأ كانت هناك إمكانية للعودة. لكن ماذا عن رحلة المريخ؟!
روح الاكتشاف
بالنسبة لمن تقدّموا بطلبات الإنظمام الى مشروع “المريخ 1″ فقد قدّموا أسباباً منوّعة، منها الحصول على فرصة لإنجاز شيء مميّز، شيء لم ينجزوه هنا على الأرض، أو الفرصة لتوسيع آفاق الإنسانية، أو الرغبة في الحصول على أشكال فريدة من الإثارة، أو تحفيز الجيل القادم بهذه الخطوة الجريئة، أو السعي وراء حلم ما… إلخ.
في الصين، ولدى إعلان وسائل الإعلام الرسمية أن المشروع هو بمثابة تحايل وتضليل، قام أكثر من 10 آلاف شخص بتقديم طلبات للاشتراك. وقد فسّر أحد المرشّحين خطوتهم هذه بأحسن ما يكون حينما قال: “نحن نعيش في بلد بلا أحلام وتطلّعات “. وأضاف : “يجب أن يُترك شعبنا حرّاً ليحلم بأمر يبدو مستحيلاً اليوم لكنه مع بذل الجهد سيكون ممكن غداً، لا أن يثبَّط أو يُخوَّف!”…
تلك الروح، حقيقة، هي ما يمثّل ويميّز الجنس البشريّ بشكل فريد. ويجب أن نكون ممتنّين لوجود مخططين وقادة ممن يقدّمون مشاريع تشعل روح الاكتشاف وتدفع الناس بجرأة نحو المجهول !
إنني لا أمتلك تلك الجرأة أو الشجاعة، فأنا قد ربطت نفسي وقيّدتها كثيراً هنا على الأرض، ولهذا فإنني معجبٌ بشدة بأولئك المرشّحين الشجعان، وأشعر بسعادة غامرة حينما أرى أن الروح البشرية ما تزال حية قويّة ومشرقة…

ترجمة أ. بسمة ذياب

]]>
هل بدأنا رمضان خطأ؟ https://islam-science.net/ar/%d9%87%d9%84-%d8%a8%d8%af%d8%a3%d9%86%d8%a7-%d8%b1%d9%85%d8%b6%d8%a7%d9%86-%d8%ae%d8%b7%d8%a3%d8%9f-1170/ Wed, 25 Dec 2013 02:55:32 +0000 http://islam-science.net/?p=1170 قبل بضعة ساعات أصدرت المحكمة العليا في السعودية بيانا تدعو فيه الناس الى تحري هلال شهر شوال مساء غد الثلاثاء 6 أغسطس، الموافق لـ28 رمضان عند معظم الدول (إذ جلها بدء رمضان يوم الأربعاء 10 يوليو). (والخبر من صحيفة سبق) http://sabq.org/ehAfde

وقد دفع هذا الخبر الكثيرين إلى القول إن بداية شهر رمضان كانت خطأ، وأننا قد نصوم ٢٨ يوماً فقط… لأننا أخطأنا في شعبان الذي كان يفترض أن يكون ٢٩ يوما فقط. وقد تم فتح هاش-تاق في تويتر بهذا الخصوص: ‫#‏متى_ناوي_تصوم_اليوم_الناقص_من_رمضان ! وحاليا، في كل ثانية يتم طرح عشرات التغريدات في هذا الهاش-تاق، من شدة غضب وانتقاد الناس، الذين صدّقوا بسهولة أن أول صيامنا كان خطأ… ويستدل البعض بالقول إن الهلال اليوم ظهر نحيفاً جداً فلا يمكن أن يكون هلال يوم ٢٧، وآخرون يذكرون بأن البدر اكتمل في يوم ١٢ من رمضان…

أود أن أبيّن ما يلي باختصار:

    أولا لا يجب الإعتماد على مجرد النظرة الى الهلال أو البدر لتقدير عمره، فكثيرا ما يؤدي نصف يوم الى فرق معتبر في الشكل، وأكثر من ذلك أن مكان وظروف المشاهدة كثيرا ما تعطي انطباعا خاطئا.

    ثانيا، بدأنا رمضان يوم 10 يوليو، ولكن الهلال كان قد ولد يوم 8 يوليو (وفي مكة المكرمة كان عمره حوالي 9 ساعات عند الغروب)، ولكنه لم يكن قابلا للرؤية (ولم يره أحد) في كامل العالم الإسلامي، مما اضطرّنا الى تأجيل بدء الشهر الى يوم 10/7 عوض يوم 9.

    ثالثا، البلاد (القليلة) الوحيدة التي بدأت الشهر يوم 9 (تركيا ومن يتبعها) فعلت ذلك على أساس “إمكانية الرؤية في أي مكان في العالم”، وكان ذلك ممكنا في أقصى أمريكا الجنوبية وبالتلسكوبات فقط!

    رابعا، يوم غد، لا يحدث الإقتران (بداية الشهر القمري فلكيا) إلا بعد منتصف الليل بتوقيت السعودية، ويعلم القاصي والداني أن إمكانية رؤية الهلال تتطلب على الأقل 15 ساعة بعد الإقتران بالعين المجردة وحوالي 12 ساعة بالتلسكوب، مما يحيلنا الى مساء الأربعاء، فكيف يمكن أن يرى يوم غد الثلاثاء؟!

ربما حدث خطأ في إعلان المحكمة العليا (ربما كانت تقصد يوم الأربعاء، لا الثلاثاء). بل طالما دعونا الجهات الرسمية الى التصريح بوضوح بعدم التحري في الليالي التي لا يكون الهلال فيها قابلا للرؤية، لأن ذلك يحدث مثل هذه البلبلة.

والله يهدي السبيل…

نضال قسوم

(أستاذ فيزياء الفلك في الجامعة الأميركية في الشارقة)

يمكن مناقشة المقال عبر حساب الدكتور في تويتر @NidhalGuessoum

5 أغسطس 2013

]]>
حـان الوقـت لنـهضـة فلكـيـة عربيــة https://islam-science.net/ar/%d8%ad%d9%80%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%82%d9%80%d8%aa-%d9%84%d9%86%d9%80%d9%87%d8%b6%d9%80%d8%a9-%d9%81%d9%84%d9%83%d9%80%d9%8a%d9%80%d8%a9-%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d9%80%d9%80%d8%a9-1180/ Wed, 25 Dec 2013 02:55:31 +0000 http://islam-science.net/?p=1180

«تحتاج الدول العربية الإسلامية إلى جيل جديد من المراصد؛ كي تتصدر المجال من جديد» نضال قسوم.

حظي علم الفلك لدى المسلمين بعصر ذهبي من القرن التاسع إلى القرن السادس عشر الميلادي، حيث مسحت مراصدُ عظيمة في بغداد، ودمشق، ومراغة (في إيران اليوم)، وسمرقند، وإسطنبول السماء من أجل تحديد تواريخ الأعياد الدينية والمدنيّة، وكذلك لأغراض التنجيم. وقد أدّت تلك الحسابات والنماذج المعقّدة إلى تقدُّم علم الرياضيات.

أما اليوم، فإنّ علم الفلك لدى العرب يكاد لا يظهرعلى الخريطة العالمية، فالبحث العلميّ ضعيف في العالم العربي، وعلم الفلك أكثر ضعفاً، بعكس دول أخرى لها ـ تقريبًا ـ نفس الناتج المحلي الإجمالي للفرد، مثل تركيا، وإسرائيل، وجنوب أفريقيا. فمعظم البلاد العربية تنشر أقل من عشرة أبحاث سنويًّا في هذا المجال، وقليلًا ما يُستشهَد بهذه الأبحاث… وقلما توجد تلسكوبات ذات حجم مناسب قيد الاستخدام، أو المخطط بناؤها.

 راصدون في عمان، الأردن، يشاهدون عبور كوكب الزهرة عبر قرص الشمس في يونيو 2012 ALI JAREKJI/REUTERS


راصدون في عمان، الأردن، يشاهدون عبور كوكب الزهرة عبر قرص الشمس في يونيو 2012
ALI JAREKJI/REUTERS

إنّ الحالة المتردِّيَة لعلم الفلك تُعَدّ لغزًا في منطقةٍ لا يُعتبر التمويلُ فيها عائقًا، وخاصةً في دول الخليج الأكثر ثراءً، حيث تتمتع المنطقة بعديد من المواقع الممتازة للرَّصْد على ارتفاع أكثر من 2000 متر، وتتمتع بسماء صافية. إنّ الإقبال الجماهيري على هذا المجال قوي، حسبما يظهر من تعدُّد المنظمات المحليّة للهواة، والتجمعات الكبيرة للظواهر الفلكيّة، كالكسوف، وعبور المُذَنَّبَات.. وعبور كوكب الزهرة ـ مؤخرًا ـ على قرص الشمس في يونيو 2012.

من وجهة نظري، فإنّ البحث العلمي في المجال الفلكي مهملٌ بسبب النظرة النفعيّة لدى العرب والمسلمين تجاه العلم (إذ الأولوية للمنافع العمليّة المباشرة)1. إنّ تلك النظرة هي ما جعلت الشعوب العربية تركّز على بناء قاعدة في العلوم التطبيقية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، مثل هندسة البتروكيماويات والعلوم الصيدلانية. وكانت المنطقة أيضًا في حاجة إلى تنمية البِنْيَة التحتية سريعًا بعد زوال قوى الاستعمار. واليوم، هناك مجالات معيّنة ـ مثل الفيزياء النظرية ـ تُدرس على نطاق واسع، ولكن بتكلفة قليلة، وتحتل أولوية منخفضة. أما علم الفلك فيحتاج إلى مبانٍ ومعدات مرتفعة التكلفة، وفنِّيِّين على أعلى مستوى من الخبرة، مقابل عائد مادي قليل…

ثم هناك مشكلة تقف حائلاً دون تطوّر علم الفلك لدى العرب اليوم، وهي نقص الخبرة في إدارة المشروعات العلمية الكبرى، وهي عنصر ضروري لعمل المراصد والمراكز البحثية بفاعلية. وإذا نظرنا للعدد القليل من التلسكوبات الكبيرة والتي أقيمت في المنطقة خلال الخمسين سنة الماضية لوجدناها ضعيفة الاستخدام، بل وأحياناً غير مستعملة بالمرة، ونتائجها العلمية شحيحة.

وهنا، فإنني أدعو الدول العربية إلى بناء جيل جديد من المراصد. فعدة تليسكوبات متوسطة الحجم (بحيث يكون قُطْر المرآة مترًا أو مترين)، تكلفتها بضعة عشرات من ملايين الدولارات، سوف تُمكِّن الفلكيين العرب من اللحاق بالخطوط الأمامية مثل البحث عن النجوم المنفجرة، وانفجارات أشعة جاما، والنجوم المتغيّرة والكواكب خارج المجموعة الشمسية. لإنشاء برنامج دراسي معتمد لمنح درجة جامعية في مجال علم الفلك، وكذلك إنشاء برامج للتبادل الدولي لتدريب الجيل التالي من الفلكيين العرب وإدماجهم في هذا المجال. ومن شأن مثل هذه التطورات أن تشحذ اهتمام الأكاديميين وعامة الناس بالعلوم الأساسية في سائر المنطقة العربية.

ماضٍ ذهبيّ

كان لعلم الفلك مكانةً مرموقة في المجتمع منذ أوائل عصور الحضارة الإسلامية  ففي بداية القرن التاسع ـ بعد بضعة عقود من تأسيس بغداد كعاصمة للإمبراطورية الإسلامية الجديدة ـ أمرَ الخليفة المأمون (786 – 833 ميلادي) ببناء مرصدين: مرصد «الشمّاسية» بالقرب من بغداد، ومرصد «جبل قاسيون» على المشارف العالية لدمشق. كان الهدف الأساسي منهما مراجعة الجداول اليونانية والهندية القديمة الخاصة ببيانات الشمس والقمر، ووضع تقاويم مدنيّة ودينية. وقد احتوى هذان المرصدان على تجهيزات تضمّنت “ربعيّة” (أداة ذات الربع) صنعت من الرخام، بنصف قطر خمسة أمتار، لقياس الزوايا على القبة السماوية، ومزولة شمسية بعقرب مركزيّ (عمود لتكوين الظلّ) بارتفاع أكثر من خمسة أمتار.

وتعتمد العبادات الإسلامية على علم الفلك فيما يخص ثلاثة أغراض: حساب مواقيت الصلاة للمواقع والتواريخ المختلفة، والتي ترتبط بالحركة الظاهريّة للشمس، وتحديد اتجاه مكة (القِبْلَة) من أجل الصلاة، ومعرفة مواعيد الأعياد الدينية، وخاصةً شهر رمضان (للصيام)، وشهر ذي الحجة (موسم الحجّ)، عن طريق رَصْد الهلال الجديد في بداية الشهر القمري. ولا تزال هذه المسائل الثلاث تسبّب جدالات ساخنة بين الفلكيين والفقهاء المسلمين حتى يومنا هذا…

تاريخيًّا، وإضافةّ للأغراض آنفة الذكر، كانت الحاجة لعلم الفلك لأغراض الملاحة البحرية والبرية، وعَلِم الرَّحَّالون والبَحَّارون أنّ قوس الهلال يحدّد خط الشرق- غرب، وأنّ أقصر ظلّ للعمود يحدّد اتجاه الشمال- جنوب، كما أنّ ارتفاع النجم القطبيّ فوق الأفق يحدّد خطّ العرض للمكان، كما تعلّموا أن نجم “المنطقة”، وهو أحد نجوم حزام الجبّار، يتتبَّع خط الاستواء السماوي.

من ناحية ثانية، كان الحكّام المسلمون يسترشدون بالتنجيم، معتقدين أن بعض الأيام تكون أكثر ملاءمةً من غيرها للأنشطة الدنيويّة، أو القرارات المهمّة. فقدرة الفلكيين على التنبؤ بحركة الكواكب ومواضعها، وحسابهم لمواعيد الكسوف والخسوف وأطوار القمر، كانت بمثابة سلاح قويّ ضمن ترسانة الحاكم. وقد كان من المعتاد وجود فلكيّ مقيم في البلاط، و”موقِّت” في المسجد.

 أسطُرلاب من القرن الحادي عشر، من بين استخداماته قياس المواقع السماوية BRIDGEMAN ART LIBRARY


أسطُرلاب من القرن الحادي عشر، من بين استخداماته قياس المواقع السماوية
BRIDGEMAN ART LIBRARY

شَيَّد الحكام في القرن الثالث عشر مراصد عظيمة كمراغة (في إيران الحالية)، الذي كان الأكبر في عصره على الإطلاق. واستخدم الفلكيّون والدارسون حول العالم أدواته المتطورة، التي اشتملت على نموذج «ذات الحَلَق» لحركة الأجسام السماوية، بلغ عرضه عدة أمتار، بالإضافة إلى مكتبة تحوي 400 ألف كتاب. وهناك  تمّ تطوير نظريات رياضية هامة، منها خاصة نظرية “مزدوجة الطوسيّ” (التي تربط الحركتين الخطية والدائرية) والتي وضعها عالِم الفلك نصير الدين الطوسيّ في عام 1247، واستخدمت فيما بعد من قبل نيكولاس كوبرنيكس في الجانب الهندسيّ من نموذجه لمدارات الكواكب.

في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، شُيِّدت مراصد أكثر روعةً. ففي مرصد سمرقند، الذي اكتمل بناؤه في عام 1429، ويُعرف الآن بمرصد «أُولغ بيك»، احتوى مبنى ارتفاعه 30 مترًا على عشرة أجهزة. اشتملت تلك الأجهزة على «ذات الحَلَق»، و«رُبع سَمْتِي» لقياس الزاوية الأفقية للنجم من الشمال، وقوس الزوال الفلكي بنصف قطر 40 مترًا، والذي كان يقيس المواقع السماوية بدقةٍ تصل إلى بضعة ثوانٍ قوسيّة. ورغم  أنّ مرصد إسطنبول، الذي بُني في عام 1577 ، كان أصغر، إلّا أنه احتوى على عشرة أجهزة أيضًا، واشتغل به 15 عالِمًا فلكيًّا بدوام كامل2. وتم وضع جداول دقيقة لمواقع النجوم والكواكب والشمس والقمر في كلا المرصدين.

ولذلك فإن مئات النجوم والأبراج تحمل اليوم عبر العالم أسماء عربية، مثل النسر الطائر، وذَنَب الدجاجة، والنسر الواقع، ورجل الجبّار، وغيرها. وكذلك هناك اليوم أكثر من 20 فوهة قمريّة تحمل أسماء علماء فلك مسلمين، كالفرغاني، والبتّاني، والصوفي. وقد استخدم العالِم أبو ريحان البيروني (973 – 1048 ميلادية) علم الفلك وحساب المثلثات لحساب محيط الأرض بدِقّةٍ وصلت إلى 0.3 % من القيمة المعروفة لدينا اليوم. والنساء المسلمات شاركن أيضًا: ففي القرنين العاشر والحادي عشر، ساعدت فاطمة المجريطية، ابنة عالِم الفلك الأندلسي العظيم مسلمة المجريطي، أباها في وضع جداول لمواقع النجوم والكواكب. وفي القرن العاشر، كانت مريم السورية صانعةً ماهرة للأسطُرلابات المستخدمة لمسح صفحة السماء.

لكن، ابتداءً من القرن الثالث عشر، حدثت خسارة مراكز تعليمية كبيرة مثل تلك التي وجدت في إقليم إيبيرية أو الأندلس. كما أنّ الحكّام المحافظين وكثير من رجال الدين أولوا المعرفة الدينية أهمية ومكانة عليا على حساب العلوم الدنيوية، فاختفت الجامعات، وهُجرت المراكز التعليمية القديمة وانفصلت عن التطوّرات العلمية في أوروبا. ونادرًا ما كانت تحضى المراصد بمِنح من مؤسسة الأوقاف الإسلامية؛ وبالتالي نادرًا ما كانت تستمر لأكثر من سنوات أو عقود قليلة بعد إنشائها.

بمرصد «أولغ بيك» بسمرقند، أوزبكستان، اكتمل بناؤه في القرن الخامس عشر، واستخدمه العديد من مشاهير علماء الفلك المسلمون. PHOTO YOKO AZIZ/ALAMY

بمرصد «أولغ بيك» بسمرقند، أوزبكستان، اكتمل بناؤه في القرن الخامس عشر، واستخدمه العديد من مشاهير علماء الفلك المسلمون.
PHOTO YOKO AZIZ/ALAMY

وانتهى عصر المراصد الإسلامية العظيمة في نهاية القرن السادس عشر مع تقهقر الإمبراطورية العثمانية، ونهوض العلم الأوروبي. واعتمدت ممارسة علم الفلك، كغيره من العلوم في ذلك الوقت، على النوايا الحسنة للخليفة أو الراعي. وتم تدمير مرصد إسطنبول في عام 1580، بعد إنشائه بأقل من ثلاث سنوات، لأن المؤسسة الدينية أقنعت الحاكم الجديد بأنّ «التطلع إلى أسرار السماوات» فعل يستحق العقوبة الإلهية، ويجلب غضب الله2.

ونتيجة لذلك، لم تتم مباشرة عِلْم الفلك وغيره من العلوم في البلاد الإسلامية حتى أواخر القرن التاسع عشر.

علم الفلك العربي اليوم

بدأت الحركة العلمية من جديد عندما استَعمرت القوى الأوروبية، وخاصّةً بريطانيا وفرنسا، أجزاء واسعة من العالم العربي الإسلامي، جالبةً معها أفكارًا جديدةً، وتعليمًا، وإنْ كان لقلة مختارة.

وعلى سبيل المثال، بُنِيَ المرصد الفيزيائي الفلكي «لي» في لبنان، والذي يحمل اسم راعيه، التاجر البريطاني «هنري لي»، في عام 1873 بواسطة «كورنيليوس فان ألين فان دايك»، أستاذ الفلك الشغوف بالمعهد الذي تحوّل الى «الجامعة الأمريكية في بيروت» لاحقًا. واحتوى المرصد على تليسكوب بقطر مرآة 25 سنتيمترًا، وظلّ عاملاً حتى إغلاق المرفق في العام 1980.

وفي عام 1891، أنشأ الفلكيّون الفرنسيّون مرصدًا فوق قمم التلال المُطِلّة على الجزائر. وخلال عشرين سنة (من 1891 الى 1911) أسهمَ المرصد بحوالي 1260 لوحًا فوتوغرافيًّا للسماء ضمن مشروع الدليل الفيزيائي الفلكي المصوَّر (وهو مشروع دولي كبير، كان يهدف إلى وضع خرائط لمواضع النجوم بدرجة عالية من الدقة).

وفي مصر، تم بناء مرصد حلوان في أوائل القرن العشرين 1925 (المرجعان 3 و4).، وتم تأسيس قسم علم الفلك بجامعة القاهرة، وانضمت مصر إلى الاتحاد الفلكي الدولي (IAU) في عام 1925 (المرجع 5).

لكن للأسف، فإنّ خريطة عالمية لمراصد اليوم ستُرينا تليسكوبين متوسطي الحجم فقط في العالم العربي: في مصر وفي الجزائر. وبالمقارنة، فإنّ لدى جنوب إفريقية خمسة مراصد كبرى أو أكثر، بما فيها «تليسكوب جنوب أفريقيا الكبيرSALT »، ذو المرآة التي يبلغ قطرها 11 مترًا، وهو أكبر تليسكوب بصري في نصف الكرة الأرضية الجنوبي. وتمتلك الهند ما لا يقل عن 12 مرصدًا، بما في ذلك المرصد الفلكي الهندي في «هانِل»، الذي يحوي تليسكوبا يبلغ قطر مرآته مترين.

أمّا أكبر تليسكوب أنشئ في العالم العربي على الإطلاق، فهو تليسكوب مرصد القَطّامِيّة بمصر (قُطْر مرآته 1.88 متر)، ويوجد بالصحراء على بعد 75 كيلومترًا من القاهرة. بدأ العمل بالتليسكوب في مايو 1964، ولكنه لم يُستخدَم بكامل كفاءته لعقودٍ، أو كان معطلًا. وبعد تجديده في التسعينات، قال الفلكيّون المصريّون إن التليسكوب يعمل الآن، بالرغم من الأبحاث القليلة التي نتجت عنه.

وفي العراق، تم البدء في الثمانينات في تنفيذ خطة طموحة لإنشاء تليسكوبين، يبلغ قطر مرآتيهما 3.5 و1.25 متر، إلى جانب تليسكوب راديوي، قطر مرآته 30 مترًا6.  وحالت الحروب والدمار الناتج عنها دون إنهاء المشروع، وتمت محاولات لإعادة بعث المشروع، لكن دون تقدُّم.

وفي الأعوام القليلة الماضية، تم إنشاء مرصدين في أنحاء أخرى من العالم العربي. فعلى ارتفاع 2750 مترًا، يحتوي مرصد «أوكايمدن»، بالقرب من مراكش بالمغرب، على تليسكوب آلي بقطر 50 سنتيمترًا، وهو يعنى بالبحث عن الكويكبات والمُذَنَّبَات، وتتم إدارته من قبل جامعة القاضي عياض بمراكش، بالتعاون مع « إورانوسكوب إيل دو فرانس»، وهي جمعية فلكيّة فرنسية للهواة، والجمعية الفلكيّة للهواة بمراكش. وأما المرصد الآخر، فهو في لبنان ، وقد أنشأته جامعة نوتردام في لويزة، على تليسكوب بقطر 60 سنتيمترًا، من المتوقع بدء تشغيله قريبًا. ويوجد لدى دول عربية أخرى تليسكوبات أصغر، بمرايا تتراوح أقطارها ما بين 35 و50 سنتيمترًا…

وقد اقترحت دول عربية عديدة إنشاء مراصد، بتليسكوبات تتراوح أقطار مراياها ما بين متر ومترين، منها الجزائر، وليبيا، وعمان، والسعودية، والإمارات، لكنْ لم يحدث تقدُّم يُذكر حتى الآن.

تحليل الأبحاث

ولتقييم مستوى البحث العلمي في مجال الفلك في المنطقة العربية، قمت بمقارنة بيانات نشر الأوراق البحثية العربية وعدد الإستشهادات بها في الدوريات العالمية مع مثيلاتها من إيران وإسرائيل وجنوب إفريقية وتركيا ( انظر ” الأبحاث الفلكية العربية”). نشر الفلكيّون العرب أبحاثًا أقل عددًا، واستُشهد بأبحاثهم بأعداد أقل بكثير من الفلكيين بهذه الدول الأربع الأخرى. فقد قام العالَم العربي بأكمله بنشر أبحاث فلكيّة بعدد أقل مما نشرته تركيا وحدها، وأقل بكثير مما نشرته جنوب أفريقيا، وإسرائيل كذلك. أما الأرقام المعبّرة عن الإستشهادات بالأبحاث العربية فهي أسوأ بكثير، إذ بلغت أقلّ بـ 1.5 و 8 و 15 مرة عما هي عليه في تركيا وجنوب إفريقيا وإسرائل، على التوالي.

Source: THOMSON REUTERS WEB OF SCIENCE

Source: THOMSON REUTERS WEB OF SCIENCE

أما بالنسبة لبرامج التخصصات العلمية في علم الفلك والفيزياء الفلكية بالجامعات العربية، فيمكن عَدُّها على أصابع اليدين. حيث توجد برامج صغيرة بمصر، والأردن، ولبنان، والسعودية، والسودان، والجزائر. ومن بين ملايين الطلبة في جامعات العالم العربي، فليس هناك سوى بضعة عشرات فقط يتخصصون في علم الفلك أو الفيزياء الفلكية في في مستوى البكالوريوس أو الماجستير، فيما طلبة الدكتوراه من أبناء البلد نادرون.

ويتم تنظيم المؤتمرات والندوات والمدارس الصيفية في هذا المجال، ولكن تأثيرها الأكاديمي متواضع جدا. كما أن هناك مؤتمر يعقد كل عامين من طرف « الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك AUASS »، وهو منظمة دولية تربط بين علماء الفلك المحترفين والهواة في العالم العربي، لكنّ هذا مؤتمر لم ينشر أيّا من أعماله.

التطلع إلى الأمام

لقد حان الوقت لأن تتجاوز الحكومات والوكالات المموّلة للأبحاث والمنظمات المشجعة للعلوم والجامعات في العالم العربيّ لتتجاوز النظرة النفعية قصيرة المدى تجاه العلم، وتشجِّع نهجًا احترافيًّا في التعامل مع علم الفلك. فالمشروعات الكبيرة في هذا المجال يمكن أن تُلهِم المجتمع العلمي والتقني، وكذا القطاع التعليمي، والجماهير الواسعة، وتغيِّر أيضا من الموقف العام تجاه أبحاث العلوم الأساسية.

ويمكن تحقيق ذلك عن طريق تنشيط الجهود لبناء مراصد متقدِّمة بمرايا تتراوح أقطارها بين متر ومترين في عدة دول، وتأسيس برامج فلكية في جميع الجامعات الحكومية، وإقامة اتفاقيّات تعاون وتبادل مع المعاهد الدولية، وتمويل الخريجين لاستكمال دراستهم ونَيْل درجة الدكتوراه من جامعات في الخارج.

إن العالم العربي يتمتع بوفرة في المواقع المناسبة للمراصد ذات النوعية الممتازة، على جبال عالية بارتفاع أكبر من 3000 متر. إذ نجد السلاسل الجبليّة بشبه الجزيرة العربية، في الإمارات العربية المتحدة، وعمان، والسعودية، واليمن تتمتع عادةً بنحو 200 الى 250 ليلة صافية سنويًّا. ويبلغ أقصى ارتفاع للقمم الجبلية بشبه جزيرة سيناء 2600  متر، وتتمتع بـ 150 ليلة صيفية صافية سنويًّا على الأقل. وتوجد مواقع ملائمة أخرى في عدة بلدان أخرى، من العراق الى المغرب.

تستطيع دول الخليج الثرية التعاون لبناء مرصد على مستوى عالمي، يمكن أنْ تبلغ تكلفته من 50 إلى 100 مليون دولار أمريكي، شاملةً المعدات: تليسكوب بمرآةٍ قطرها متران، ومقياس للإضاءة، ومقياس للطيف، وأجهزة حاسب، وشبكات تواصل سريعة، ومحطة طقس، إلى جانب بناء غرف عمل واجتماعات، وغرف مبيت، ومرافق ترفيهية، وطرق محليّة، وبِنْيَة تحتيّة.

وحتى تكتمل الصورة، يتوجّب على الجامعات العربية أن تتعاون من أجل هذا الهدف، وأن يتمّ عقد اجتماعات الخبراء لوضع مقترحات دقيقة وشاملة لإعادة إحياء علم الفلك في المنطقة.

وإنه من الواجب دعم هذه الأنشطة من قبل منظمات إقليمية ودولية مثل الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك والاتحاد الفلكي الدولي للضغط على الحكومات العربية، كما أنه من الضروريّ أن تقدّم كبريات الجامعات العربية برامج للدرجات الجامعية في الفيزياء الفلكية.

 إن علم الفلك يحظى بمكانة مرموقة طبيعية في الثقافة العربية الإسلامية، ويجدر بهذه المكانة أن تُستعاد.

References

  1. Guessoum, N. Nature Middle East http://dx.doi.org/10/mrn (2012).
  2. Sayili, S. The Observatory in Islam (Arno Press, 1981).
  3. Hady, A. A. Adv. Space Res. 42, 1800–1805 (2008).
  4. Hassan, S. M. ‘Kottamia Telescope Upgrading’ in Developing Basic Space Science World-Wide (eds Wamsteker, W., Albrecht, R. & Haubold, H. J.) 237–240 (Springer, 2004).
  5. Aiad, A. IAU Colloq. 105, 398–399 (1990).
  6. Al-Naimiy, H. M. K. Proc. IAU Symp. 260, 429–437 (2011).
]]>